الثلاثاء، 6 أبريل 2021

محاضرة عن الصيا مإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله .

 كتب د/ياسر المصرى 

ود/حمادة المصرى 

ود/وداد السيد عبدالله



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه صلى الله عليه وعلى كل رسول أرسله .

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه : {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} سورة البقرة .

أخي المؤمن ، أخي المصلي ، أخي الصائم ، أنت في شهر عظيم أنزل فيه القرءان شهر رمضان ، وأيام فضيلة مباركة يكثر فيها أعمال الخير ولكن لا تنسَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ " .

أي كل عمل لا يوافق شريعتنا فهو ردّ أي مردود . وكيف يُعرف المردود من الصحيح المقبول ؟ يُعرف بالعلم الشرعي، يُعرف بحضور مجالس علم الدين . فالجاهل كالتائه في الصحراء بلا دليل لا يدري هل يقترب من مبتغاه أم يبتعد ، فالجاهل لا يضمن صحة صلاته ولا صحة صيامه ولا صحة حجه . فخطبتنا اليوم عنوانها: " كيف يكون صيامك مقبولاً عند الله " .

فرائض الصيام اثنان :

الأول: النية ومحلها القلب ،  يعني ليس شرطًا أن تتلفظ بها بلسانك، وهي واجبة لكل يوم من رمضان ولا يصح الصيام بدونها ، فيقول بقلبه: نويت صيام يوم غد من شهر رمضان لله تعالى .

والحائض والنفساء التي انقطع دمها ليلة الصيام عليها أن تنوي صيام اليوم التالي من رمضان وإن لم تغتسل لأن الغسل شرط لصحة الصلاة وليس شرطًا لصحة الصيام .

ثم بعد نية الصيام التي قد تكون بعد المغرب بقليل أو بعد العشاء أو بعد السحور لكن قبل طلوع الفجر فبعد نية الصيام لا يؤثر على هذه النية الأكل والشرب والجماع قبل طلوع الفجر، ومن نام ليلاً ولم ينوِ الصيام حتى استيقظ بعد الفجر وجب عليه الإمساك عن المفطّرات وعليه قضاء هذا اليوم من رمضان . هذا الركن الأول وهو النية .

أما الركن الثاني : الإمساك عن الأكل والشرب وعن إدخال كل ما له حجم ولو صغيرًا إلى الرأس أو البطن أو الأمعاء ونحوها من منفذ مفتوح كالفم أو الأنف أو القبل او الدبر ولو كان ذلك أجزاء صغيرة ، وهذا الإمساك وقته من الفجر إلى المغرب .

أما من أكل ناسيًا أو شرب ناسيًا ولو كثيرًا لم يفطر . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" .

ومن أدخل شيئًًا إلى فمه كإصبعه فأخرج القيء عمدًا أفطر ولو لم يرجع منه شىء إلى الجوف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء (أي غلبه) وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقضِ" رواه أبو داود .

كما يجب ترك الجماع وإخراج المني بالاستمناء بنحو اليد والمباشرة فإنهما مفطّران. أما الصائم النائم إذا احتلم فلا يفطر .

والذي يبطل الصيام أشياء منها : الأكل ولو قدر سمسة أو أقل عمدًا لا ناسيًا، والشرب ولو قطرة ماء أو دواء .

وكذلك شرب السيجارة أو الأركيلة مفطّر لأنه ينفصل عنها ذرات صغيرة تصل إلى جوف الصائم الذي يشربها . أما الدخان الذي يصل إلى جوف الصائم من شارب السيجارة الذي يجالسه في السيارة مثلاً فإنه غير مفطّر .

ومن أغمي عليه في نهار الصيام وأفاق ولم يستغرق إغماؤه كل اليوم لا يفطر، أما إذا استغرق الإغماء كل اليوم من الفجر حتى الغروب لم يصح صيامه.  أما إذا طرأ عليه الجنون ولو لحظة أفطر . اللهم ثبّت علينا العقل والدين يا أرحم الراحمين .

وكذلك إذا طرأ على المرأة حيض أو نفاس ولو قبيل الغروب أفطرت .

وكذلك القطرة في الأنف أو الأذن مفطرة ، والحقنة في القبل أو الدبر مفطرة، أما الإبرة تحت الجلد أو في العضل فلا تفطر.

ومن مفسدات الصيام الوقوع في الكفر عامدًا ولو مازحًا أو غاضبًا باختياره ذاكرًا للصوم أو غير ذاكر لأنه لا تصح العبادة من كافر لذلك يجب عليه تجنب الكفر بأنواعه الثلاثة وعدم الوقوع فيه مطلقًا ، وهذه الأنواع :

الكفر القولي : كمسبة الله أو دين الإسلام أو الأنبياء .

الكفر الاعتقادي : كاعتقاد أن الله جسم أو ضوء أو روح أو أن له جهة ومكانا .

الكفر الفعلي : كرمي المصحف في القاذورات أو سجود لصنم .

فمن حصل منه نوع من أنواع الكفر الثلاثة فعليه أن يقلع عن الكفر فورًا ويتشهد للدخول في الإسلام بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول الله ويمسك بقية اليوم عن المفطّرات ثم يقضيه بعد يوم العيد فورًا .

اللهم أمتنا عليها يا رب العالمين .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

إنَّ الحمد لله نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه. من بعثه اللهُ رحمةً للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً. بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصحَ الأمّةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبياً من أنبيائه. صلواتُ اللهِ وسلامه عليه وعلى كلِّ رسول أرْسَلَه.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم بتقوى الله. يقول الله تعالى:" {7} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ {8}".

عبادَ الله، كل ساعة تمرُّ على الإنسان ولا يذكرُ اللهَ فيها تتقطّعُ نفسُهُ عليها حسَراتٍ يومَ القيامة، فكيف إذا مرَّتْ ساعةٌ معَ ساعةٍ ويومٌ معَ يومٍ.

 

عباد الله، هذا شهرُ التوبةِ قد ءابَ، شهرُ الزهدِ وكسرِ النفس، شهرُ صفاءِ الروح، فبادرْ يا عبدَ الله لأن تشغلَ أيامك وأنفاسك بطاعة الله، لأن من لم يشغلِ الفراغَ بما يعنيه شغلَهُ الفراغُ بما لا يعنيه.

لهذا، وحبا بالله نعرض عليكم ماذا ينبغي على الصائم أن يفعل في يومه:

عند الصباح استفتِحْ بذكر الله وقلْ:" بسمِ اللهِ الذي لا يضرُّ معَ اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء وهو السميعُ العليم"، قلها ثلاث مرات صباحا ومساءً، فقد ورد عن حبيبنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن من قالها ثلاثا لم يضرَّه شيء. ثم ردِّدْ يا أخي في الله أورادَ التحصين التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن شاء الله، يَدفعُ الله بها عنك أذى الإنس والجن.

ثم بادر إلى صلاة الصبح في جماعةٍ فلقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من صلى الصبحَ في جماعةٍ كانَ في ذِمَّةِ الله حتى يُمسي" وكن أخي المسلم مع الذين يشاركون في حضور مجالس علم الدين التي تكون بعد صلاة الفجر والعصر والعشاء.

 

ثم بعد ذلك يأتي وقتُ العملِ الدنيوي، فلا تغفل أن يكون عملُك الدنيويُّ بنية صالحةٍ بنيةِ تحصيل النفقةِ الواجبة على زوجتك وأولادك. اِتَّقِ اللهَ في عملك، فلا تكذب، ولا تَغُشّ، وتمثّل بقول خيرِ الخلق وحبيبِ الحقِّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:" الصيام جُنّة، فإذا صام أحدُكم فلا يرفُثُ ولا يجهل، وإن امرُؤٌ قاتلَه أو شاتمه فليقل إني صائمٌ إني صائم".

هذه هي الأخلاق التي أمرنا بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فالتزم بالأخلاق الحسنة، ففي رمضانَ أبواب الجنان تُفتَّح، وأبوابُ النيران تُغَلّقُ والشياطينُ تُصفّدُ، فإياك وسبابَ المسلمين وشتمَهم ولعنَهم بحجة أنك صائم، اتق الله يا عبد الله.

بطاعة الله تحلو الأوقاتُ، ويُهوِّنُ الله عليك ألم الجوع والعطش، وتنقضي الساعاتُ ويؤذّن لصلاة العصر، فاذهب أنت وجارُك، أنت وصاحبُك، أنت وولدُك إلى صلاة العصر في المسجد، ثم متّع قلبك وأذنَيْك بسماعِ درسِ العصر من أفواه من تلقى علم الدين، من أناس ثقات، حتى تستزيد من الأجر والثواب وتأخذَ من دار الفناء لتَعْمُرَ دار البقاء، واحذر من الذين يحرفون الدين ويشبهون الله بخلقه ويكفرون المسلمين بغير سبب.

من حاز العلم وذاكرهُ     سعِدت دنياهُ وءاخرتُه

فأدم للعلم مذاكرةً         فحياةُ العلمِ مذاكرتُه

بعد الدرسِ اذهَبْ إلى بيتِك وعَلِّم أهلَكَ ما تعلمتَ وساعدْهم في إعداد الطعام، وكنْ عَوْنا لأهل بيتك ، ولاقهم بالبِشر والخطاب الجميل، وخفف عنهم بالكلام الجميل التعبَ المُضْني مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا نصيحةٌ لوجه الله تعالى وهي أن تتركوا التنعمَ وأن تتركوا الإكثارَ من أنواعِ الأطعمةِ فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الاقتصادُ نصفُ المعيشة".

وما أحلى أن تُرسلَ من طعامِك وشرابِك لجارك الفقير، لمحتاج تعرفه، تكرمه لوجه الله، تُفطِّر صائما فتكسب من الأجر والثواب فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من فطّر صائمًا فَلَهُ مثلُ أجرِه من غير أن يَنقُصَ من أجرِ الصائم شىء" ولو كان إفطارُك له على حبة تمر، والمعنى أنه يحظى بثوابٍ يُشبِهُ ثوابَه، وليس المعنى أنه يأخذُ ثوابا يساويه من كل الوجوه.

وبعدَ أن تتأكدَ من دخولِ الوقتِ بمراقبة غروبِ الشمس أو بسماعِ مؤذنٍ ثقةٍ يعتمد على المراقبة، عَجِّلْ بالفطر لحديث:" لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطر". وقل:" اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".

واجعل فطورك على تمر فإن لم تجد فعلى ماء ثم قم إن شئت قبل إتمام الطعام لصلاة المغرب، وبعد إتمام الإفطار قم بهمة ونشاط إلى المصلى لصلاة العشاء وقيام رمضان، وأكثر من قراءة القرءان وإياك أن تضيع وقتك على التلفاز تنقلُ من محطة إلى أخرى.

بل قم إلى مضجعكَ وذلك بعد صلاة التراويح وقل: اللهم باسمك أَموتُ وأحيا، لِتَقْوَى على الاستيقاظ بعد منتصف الليل لصلاة التهجد وقراءة القرءان ثم النومِ بعد ذلك ثم الاستيقاظِ للسُّحور فإن في السّحور بركة.

وهنا أذكركم بفرضٍ من فرائض الصيام، بتبييت النية قبل الفجر. وذلك بأن تقول في قلبك نويتُ صومَ يوم غدٍ عن أداء فرضِ رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى.

وكما أذكّركم بدفع زكاة الفِطْر لمن لم يدفَعْها. فيجب على الرجل أن يدفع عن نفسه وعن زوجته وأولاده الصغار الذين هم دون البلوغ أما من بلغ منهم فلا يجب عليه أن يدفع عنهم، وكذلك يجب عليه أن يدفع زكاة الفطر عن أبويه إن كانا فقيرين. وزكاة الفِطر هي عن كلِّ واحدٍ صاعٌ من غالب قوتِ البلدِ إذا فضلت عن دَيْنِه وكسوته ومسكنه وقوتِه وقوتِ من عليه نفقتُهم يومَ العيدِ وليلتَه وينوي عند دفعها بأنها زكاة بدنه. ومن أراد دفع القيمة فليدفع عن كل واحدٍ ثلاثة دولارات تقريبا وإن دفع زيادة عن القدر الواجب ينوي بالزيادة الصّدقة. والأفضل دفع زكاة الفِطرة قبل صلاة العيد ويكره بعدها ويحرم تأخير دفعها إلى ما بعد غروب شمس يوم العيد. ويجوز إخراجها في رمضان ولو في اوّل ليلةٍ منه.

واعلم يا أخي أن كل ليلة من ليالي رمضان يحتمل أن تكون ليلة القدر، فأكثر من الدعاء والصلاة في كل ليلة وخاصة في العشر الأواخر من رمضان، فالعبادة في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر.

وأخيرا أحذركم مما يسمى بخيم رمضان، حيث اللهو والمعاصي وأنصحكم بزيارة الأقارب، وصلة الرحم.  نسأل الله تعالى أن يتقبل منا صلاتنا وصيامنا  وركوعنا وسجودنا.

هذا وأستغفر الله لي ولكم

 

الخميس، 1 أبريل 2021

الانفجار العظيم وخلق الكون

 

بسم الله الرحمن الرحيم


[align=justify]جاء بعض الفلكيين الغربيين بنظرية "الانفجار العظيم" تفسيرًا متوقعًا لبدء الكون، وتلقفها بعض أهل الإعجاز العلمي بالتسليم، وراحوا يستدلون لها بآيات القرآن العظيم كقوله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]، وقوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47]. وربما بالغ بعضهم فرأى أن الآيات لا تفسر إلا بها !!!
وقد رأيت في هذا الملتقى من كتب عنها مسلمًا، وقد رجعت إلى هذه النظرية، وإلى ما قيل في تفسير الآيات، وكتبت هذه المقالة، وأعرضها لكم، لعل فيها ما يفيد، ولعلكم تسددونها وتقومونها، نفع الله بكم.
[/align]
[align=justify]الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
أما بعد:
فالاعتماد على نظرية "الانفجار العظيم" في تفسير بدء الكون فيه نظر؛ لأن هذه النظرية اتكأت على توقع بشري مادي لخلق الكون، من خلال رصد بعض الظواهر المشاهدة فيه.
وهذه النظرية انطلقت من تمدد الكون واتساعه بين المجرات فتتباعد؛ مما يعني أن الكون ما دام في حالة تمدد مستمر فإنه قد بدأ من نقطة قريبة من الصفر، وانفجر عنها قبل خمسة عشر بليون عام كما يقولون، واستمر في التمدد والاتساع حتى بلغ هذا الحجم العظيم، ولم يكن قبل هذا الانفجار مكان ولا زمان، وإنما تولدا مع الانفجار، ولم يكن قبل ذلك إلا العدم.
ويتصل بهذه النظرية عدة توقعات متعلقة بمادة الكون وحرارته، وإلى أي مدى سيتمدد؟ هل سيستمر في التمدد إلى ما لا نهاية، أو يقف عند حد معين؟ وهل سينكمش؟ وغير ذلك.
وأثير على هذه النظرية إشكالات عدة من بعض علماء الفلك، مما جعل بعضهم يرفض هذه النظرية.
كما فسر نشوء الكون بنظريات أخرى غير هذه النظرية.
ومع أن هذه النظرية فيها بعض الحقائق، كما أن فيها بعض الإيجابيات كدلالتها على الخالق ، وإبطال أزلية الكون، إلا أن فيها ما ينافي الشرع كالصدفة في الخلق، ونفي المكان والزمان قبل الانفجار، ونفي أن يكون ثمة خلق لله قبل خلق السماء والأرض، وحصول الخلق بالانفجار مع أن الله بيّن خلقه بخلاف ذلك كما قال سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)، وقال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)، وقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
ومع ما يحيط بهذه النظرية من الإشكالات الشرعية فإنها تبقى نظرية لا حقيقة مطلقة، والخلق لم يطلعوا على كل ما في الكون وأنّى يكون لهم ذلك، والله قد قال: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)، وقال: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ). ولهذا لا يصح أن تفسر آيات القرآن الكريم بمثل هذه النظريات التي لا تعد يقينيات، أو أن تسقط الآيات عليها.
[/align]
* * *
[align=justify]والخير كل الخير والسلامة كل السلامة أن نستخدم ما ورد في نصوص القرآن والسنة من أخبار وألفاظ ولا نعدوها إلى غيرها إلا عن يقين، ولا يقين إلا بهما في الخبر عن خلق الكون الذي لم يشهده أحد من الخلق، ولم يشرك فيه أحدًا.
[/align]
* * *
[align=justify]وأما قول الله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30].
فإن الرَّتْق في كلام العرب: السد والالتئام والانضمام.
وأما الفَتْق فهو: الشق والفتح والفصل والاتساع والانفراج.
ويطلق على الخصب وانشقاق الأرض بالنبات، وانفلاق الصبح، وانشقاق العصا ووقوع الحرب بين الجماعة، وتصدُّع الكلمة، ونقض العهد...
وللعلماء أقوال في تفسير رتق السماوات والأرض وفتقهما:
الأول: أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين، فرفع الله السماء عن الأرض، وفصل بينهما بالهواء.
وهو مروي عن ابن عباس وقتادة والحسن وسعيد بن جبير.
ويدل على هذا التفسير أمور:
أحدهما: إفراد "رَتْقا"، وهو بمعنى اسم المفعول "المرتوق"، وظاهر الإفراد يدل على أن السماء والأرض كانتا مرتوقتين ملتئمتين كالجرم الواحد ففصل بينهما، قال البقاعي: ((لما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم)).
وثانيها: ما ذكره الله بعد ذكر الفتق من جعل الحياة بالماء وجعل الجبال والفجاج، وجعل السماء سقفًا محفوظًا، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر. وكأن هذا تفصيل لما جعله الله وخلقه في السماوات والأرض بعد فتقهما.
وثالثها: قوله: "وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً" قد يكون فيه إشارة إلى الالتئام السابق، بأن الله رفعها وصيرها سقفًا بعد أن لم تكن، ولما صيرها كذلك جعلها بقدرته محفوظة من السقوط كما قال الله تعالى: (ويُمْسِكُ السَّماءَ أن تَقَع على الأرْضِ إلاّ بإذْنِه)، كما أنها محفوظة من الشياطين في قوله سبحانه: (وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانِ رَجيم).
الثاني: أن الفتق حصل بجعل السماء سبع سماوات طباقًا بعضها فوق بعض، وجعل الأرض سبع أرضين بعضها تحت بعض.
وهو مروي عن مجاهد، والسدي، وأبو صالح الحنفي.
ويدل على هذا التفسير أمران:
أحدهما: جمع "السماوات" كما قال مكي بن أبي طالب: ((وقوله: "إن السماوات" تدل على قول مجاهد)).
ثانيهما: قول الله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت:9-12].
الثالث: أن فتق السماء بالمطر بعد أن كانت رتقًا لا تمطر، وفتق الأرض بالنبات بعد أن كانت رتقًا لا تنبت.
وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر، وعكرمة، وعطية العوفي، وابن زيد، ومجاهد. ونسبه ابن عادل في اللباب إلى أكثر المفسرين. ورجحه الطبري وابن عطية.
ويدل عليه ما يأتي:
أولاً: قوله: (أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا) يدل على أنهم يرونه عيانًا، والظاهر تفسير الرؤية بالبصرية -وليس ثمة ما يمنع من تفسيرها بالعلمية على القولين الآخرين- وهم لم يروا إلا إنزال المطر من السماء بعد أن لم يكن، وانشقاق الأرض عن النبات بعد أن كانت هامدة.
ثانيًا: التعقيب بقوله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ)، والأصل أن يكون متصلاً بما قبله، أي: من الماء الذي ينزل من السماء بعد فتقها وتختزنه الأرض ثم تنبت به بعد فتقها، قال الطبري: ((إنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) على ذلك، وأنه جل ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه)). وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: ((وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بيّن، ويناسب قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) أي: من الماء الذي أوجده الفتق، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار)).
ثالثًا: جاء هذا المعنى في آيات أخر، منها قول الله : (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ)، وقوله: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً).
رابعًا: قال الشنقيطي: ((ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث)).
ويرى بعض المفسرين أن الأقوال كلها محتملة، كما قال ابن كثير: ((كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصقًا متراكمًا بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه. فجعل السموات سبعًا، والأرض سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض)). وقال ابن عاشور: ((والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعاً)).
على أن القولين الثاني والثالث تدل الآيات الأخرى على صحة إطلاق الفتق عليهما، أما القول الأول فليس ثمة دليل صريح يؤكده بحيث يصح إطلاق الفتق عليه.
ولعل مجيء الرتق مفردًا، والسماوات مجموعًا، مع سياق القول الثالث؛ لإرادة المعاني الصحيحة المحتملة كلها، ويُدل على كل واحد منها بسياق، والله أعلم.
وثمة أقوال أخرى ككون الفتق بالنور بعد الظلمة، أو بالإيجاد بعد العدم، قال الشنقيطي في أضواء البيان: ((وهو أبعدها لظهور سقوطه)).
وعلى ما سبق من أقوال فإن الفتق بعد الرتق في الآية لا يلتئم معه التفسير بـ"الانفجار العظيم"، لا من حيث اللغة، ولا من حيث النصوص الشرعية. ثم إن الآية تتناول السماوات والأرض فحسب، لا غيرهما، والله أعلم.
[/align]
* * *
[align=justify]وأما قوله : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات:47].
فإن معنى "موسعون" من الوسع وهو القدرة والإطاقة، أي: قادرون.
أو من سعة الغنى والرزق، أي: موسعون الرزق على خلقنا.
أو من سعة المكان، أي: وسعنا أرجاءها.
وبما سبق قال المفسرون.
وهل ما قيل من التمدد بين المجرات يصح أن يكون من تفسير الآية؟
ولو احتمل ذلك فلا يقيد به، ولا يصحِح نظرية "الانفجار العظيم"، وإن كانت تتفق مع الآية في جزء منها، والله أعلم.
[/align]
* * *
[align=justify]وما قيل في "الانفجار العظيم" يقال في نظرية "الانسحاق الشديد" الذي به ينتهي الكون، وتفترض النظرية أن التوسع الحاصل للكون بسبب طاقة الانفجار العظيم ستتبدد وتنتهي بعد مدة من الزمان، وستبدأ طاقة الجذب المركزية في لملمة أطراف الكون إلى أن يعود كتلة واحدة صغيرة في الحجم عالية الكثافة والكتلة.
ويستدل لها البعض بقول الله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).
وما هذه النظرية إلا توقعات بشرية مادية لا تسعفها النصوص الشرعية، ولا يصح أن تفسر بها، وتسقط عليها.
والخير كل الخير والسلامة كل السلامة الاعتماد على ما ورد في النصوص الشرعية معنى ولفظًا.[/align]
* * *
[align=justify]وأما قول الله : (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) فإن في تعلق "يوم نطوي السماء" قولين:
الأول: أنه متعلق بالآية التي قبلها: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) الآية، أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب. ثم استؤنف معنى آخر: كما بدأنا أول خلق نعيده. قال الطبري: وعند قوله: (كطي السجل) انقضاء الخبر عن صلة قوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)، ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذ فقال تعالى ذكره: (كما بدأنا أول خلق نعيده).
الثاني: أنه متعلق بقوله: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) من باب التقديم والتأخير، أي: كما بدأنا أول خلق نعيده يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب.
وعلى كلا القولين فليس المقصود السماوات والأرض، وإنما هو البعث بعد الموت، كما جاء في آيات أخر: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
وهذا هو تفسير الرسول في الحديث الذي أخرجه البخاري مسلم عن ابن عباس عن النبي قال: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)".
[/align]
* * *
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.

{أَوَ لَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30].


 {أَوَ لَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30].

النص الحرفي للشبهة:

إخوتي الأكارم، لنبحث معاً في اللفظ الأدق والأليق ببلاغة القرآن الكريم، هل من الأفضل أن نقول: ” الانفجار الكوني العظيم ” أم : ” الانفتاق الكوني العظيم ” ؟

وحتى تتكون الصورة واضحة… لنقرأ هذه الشبهة التي أثارها أحد اللادينيين ويُدعى: الختيار..

” آية اخرى لا يمل الاعجازيون من تكرارها كالببغاوات ايضا:

{أَوَ لَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30].

يدعي هواة الاعجاز أن وجه الإعجاز في الآية القرآنية هو تقريرها بأن نشأة الكون بدأت إثر الانفجار العظيم (ويربطونه بكلمة الفتق) بعد أن كانا كتلة واحدة (رتقا).

أولا…لنرى [الصواب: لنرَ] المعنى اللغوي لكلمة رتقا..

جاء في لسان العرب[1]: (رتْقاً): الرَّتْقُ ضدّ الفتْقُ. وقال ابن سيده: الرَّتْقُ إلحام الفتْقِ وإصلاحه، رتَقَه يرتُقُه ويرتِقُه رتقاً، فارتتق أي التَأَم.

إذن كلمة رتقا تفيد كون السماء والأرض كتلة واحدة..

أما كلمة فتق: (ففتقناهما): الفتقُ خلاف الرتق، فتقه يفتقُّه فتقاً: شقه. الفتق: انفلاق الصبح.

ومن القاموس المحيط[2]: (فَتَقَهُ): شَقَّهُ كَفَتَّقَهُ فَتَفَتَّقَ وانْفَتَقَ، ومَفْتَقُ القَميصِ مَشَقُّهُ.

إذن كلمة الفتق تعني الشق…

وهناك العديد من الروايات التي أوردها المفسرون في المراد بالرتق والفتق… ومن أغلبها يتضح لنا أن المراد من القول في هذه الاية هو كون السماء والارض كتلة واحدة ثم تم فتقهما (شقهما). وبعض المعاني الأخرى التي تصلح لتأويل الاية:[3]

باختصار لهذا كله.. “كانتا رتقا ففتقناهما” تفيد كون السماء والأرض كتلة واحدة أو جسما واحدا ففتقمها (أي قسمها) الله الى قسمين. ويدعي الإعجازيون أن هذا يتفق مع نظرية الانفجار الكبير -التي أقسم أنهم لم يقرأوا عنها يوما- في أن الأرض والسماء كان كتلة ثم تم الانفصال بينهما بالانفجار!!! هل تنطبق هذه الرؤية مع نظرية الانفجار الكبير؟؟

قطعا لا تنطبق لسببين:

أولا: كلمة الفتق تعني لغويا الشقّ لا أرى فيها أي سيرة[4]عن حدوث “انفجار” من قريب أو من بعيد؛ فالشقّ ليس تفجيرا، ولا يوجد ذرة اتصال بين المعنيين كما رأينا في المعاجم، فالشق هو مثل ما يحدث عندما تشق قطعة قماش مثلا، وهذا لا علاقة له بما حدث في الانفجار الكبير إطلاقا.

ثانيا: اذا ربطنا لفظ “كانتا رتقا” في الآية بما قبل البيج بانج فهذا أيضا لا علاقة له بما تقوله نظرية الانفجار الكبير إطلاقا؛ لأن نظرية الانفجار الكبير تنص على عدم وجود أي نوع من المادة أو الكتلة قبل حدوث الانفجار؛ لأن المادة جاءت الى الوجود مع الانفجار نفسه، بل لا يوجد شيء أسمه “قبل البيج بانج” أساسا. هذا قول فاسد، اذ ليس هناك “فترة وقتية ” من قبل ال planck time  قابلة لتطبيق القوانين الفيزيائية عليها، مفهوم “الفترة الزمنية” قبل حدوث البيج بانج لا معنى له؛ فالوقت مرتبط بالمكان وجاء في حيّز الوجود اصطلاحي “متى وأين” للزمان مع ظهور “المكان” الى حيّز الوجود أي مع البيج بانج، و نفس الشيء بالنسبة إلى المادة أو الكتلة، فلم يكن لها وجود الا مع حدوث الانفجار.

أي ليس هناك “رتق” قبل حدوث الانفجار ولا غيره.[5]

و فوق كل هذا…لا أعرف حقيقة كيف يأتي مسلمون يحاولون الاستناد الى البيج بانج لاثبات قرآنهم. 

سؤال: هل ظهور الكون طبقا للبيج بانج تتماشى مع الخلق كما يراه القرآن والسنة؟ هل خلق جزء من الكون بشكل منفصل في فترة لوحدها (الارض) ثم عندما تنتهي هذه الفترة يبدأ خلق جزء آخر بشكل منفصل لوحده في يومين (السماء) ثم يعود الى الجزء الاول “ليظبطه” {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } (سورة النازعات 30) في يومين آخرين هل تستوي هذه الرؤية مع الكوزمولوجي الخاص بالبيج بانج !!! “.

{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } (سورة الذاريات 47)

حيث يقول الإعجازيون أن هذه الاية أخبرت بحقيقة التوسع الكوني !!!

ذهبت لأرى ما تقوله المعاجم حول المعنى اللغوي لهذه الكلمة “موسع” -بدون تشديد السين-:

المحيط: أوْسَعَ يُوسِعُ إِيسَاعاً: صار ذا سعه وغِنى.

“محيط المحيط”: وأوسع الرجل إيساعًا صار ذا سعةٍ وغنًى. ومنهُ في سورة الذاريات: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) أي أغنياءُ قادرون.

و يتفق معهم أيضا القاموس المحيط حول هذا المعنى اللغوي: وقوله (وإنَّا لَمُوسِعُونَ): أغْنياءُ قادِرُونَ[6].
ففي الاية يقول الله عن نفسه: أنه ذو سعة (قدرة) وغنى، ولا علاقة لها اطلاقا بالتوسع الكوني!!”.

الرد على الشبهة :

1. نشوء الكون:

تحرير محل النزاع: يقول إن “فتق” ليس من معانيها ” فجَّر”.

وجواب ذلك أن العرب تعرف ذلك، ولا يضرنا أنه لا يعرفه.

 تقول العرب: انفتاق الصبح، وتعني به انفجاره (ومنه سمي الفجر بهذا الاسم)[7].

بل إن ذلك يُعَد من أشهر التشبيهات التي عرفها العرب.

قال أبو هلال العسكري[8]: ” ومن غريب ما قيل في الصبح، من الشعر القديم قول ذي الرمة ـ وقد أجمع الناس على أنه أحسن العرب تشبيهاً ـ:

وقد لاحَ للساري الذي كمل السُّرى         على أخرياتِ الليلِ فتقٌ مُشَهَّرُ

وهذا أحسن تشبيه أكمله “.

وورد في قصة استشهاد سعد بن معاذ رضي الله عنهعن جابر : “.. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِهِمْ، انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ “.[9]

بينما في رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها، زيادة في دعاء سعد قبيل استشهاده: “.. وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ..”.[10]

فعبَّر جابر عن الانفتاق بالانفجار، وبه عبَّرت عائشة ـ راوية الحديث رضي الله عنها، ولا يشك بفصاحتهما -رضي الله عنهما- أحد.

ويمكن القول: إن الانفتاق مرحلة سابقة للانفجار، كما أن تفجر النبع من الصخر يسبقه انفتاق وتشقق الصخر.

وانفجار القنبلة يسبقه تشقق سطحها الخارجي.. الخ. فلا انفجار بلا انفتاق (تصدع وانشقاق).

وانفتاق الجرح، جاء قبيل لحظات من انفجاره. فبين الانفجار والانفتاق عموم وخصوص[11]. ومن ثم ينتفي القول بالترادف بين معاني لفظي الانفتاق والانفجار. وهو يليق بجلال القرآن الكريم والأمر الإلهي بملاحظة دقة التعبير القرآني، وتدبر بديع نظمه المعجز.

وذلك كما يلي:

بداية: كان لنظرية الانفجار -الأصوب: ” الانفتاق ” كما سيتبين قريباً- الكوني أثر كبير في إيمان كثير من الملحدين بوجود خالق للكون، سبق هذا الانفجار ودبر أمره.

فقد كانت نظرية الملحدين أن الكون أزلي غير حادث، والمادة أزلية غير قابلة للاستحداث أو الفناء؛ ليهربوا من الإجابة عن السؤال الأهم: من الذي أحدثه، وما هي القوة التي ستفنيه؟[12]

قال الفيلسوف الملحد (أنطوني فلوف): ” يقولون: إن الاعتراف يفيد الإنسان من الناحية النفسية، وأنا سأدلي باعتراف: إن أنموذج الانفجار الكبير شيء محرج جداً بالنسبة للملحدين، لأن العلم أثبت فكرة دافعت عنها الكتب الدينية.. فكرة أن للكون بداية “.

ويقول العالم (دونيس ساكيما) وكان من أشد أنصار نظرية (الكون المستقر): ” لم أدافع عن نظرية الكون المستقر لكونها صحيحة، بل لرغبتي في كونها صحيحة، ولكن بعد أن تراكمت الأدلة، فقد تبين أن اللعبة قد انتهت، وأنه يجب ترك نظرية الكون المستقر جانباً “.

ويستدل العالم البريطاني (فرد هويل): ” كل انفجار يشتت المادة ويبعثرها دون نظام، ولكن هذا الانفجار الكبير عمل العكس، بشكل محفوف بالأسرار، إذ عمل على جمع المادة معاً لتشكيل المجرات “.

كل هذه الأقوال لعلماء الفلك الغربيين تؤيد الحكمة من التعبير القرآني البالغ النهاية في الدقة؛ فذكر القرآن الكريم: ” الفتق ” ولم يذكر ” الانفجار”، فالانفجار عشوائي ويوزع شظاياه مبعثرة، بينما الفتق عملية تصديع وتشقق منظمة بشكل بديع محكم.

فالخياط حينما يقوم بفتق قطعة القماش يقوم بذلك بكل عناية، بينما شظايا القنبلة المتفجرة تتناثر بلا نظام!

ولذلك -من باب الدقة العلمية- يرى الباحث أن الأصوب القول: ” الانفتاق الكوني ” بدلاً من: ” الانفجار الكوني “.

هو ليس انفجار -كأي انفجار- بل هو انفتاق بنظام بديع محكم، جاء من عند خالق الكون العظيم.

وسبحان منزل القرآن !

2. توسع الكون:

” الواو والسين والعين: كلمةٌ تدلُّ على خلافِ الضِّيق والعُسْر “.[13]  فاللفظ في حقيقته يدل على خلاف الضيق.

وبهذا يكون معنى ” موسعون ” عكس ” مضيقون “. تقول: وَسَّعْتُ الشيءَ فاتَّسَعَ واسْتَوْسَعَ، أي صار واسِعاً.[14]

والأصل حمل اللفظ على حقيقته؛ إلا إن وجد مسوغ لحمله على المجاز.

فـ ” وَسِعَ الشيء: لم يضق عنه.. لا يسعك أن تفعل كذا، أي: لا يجوز لك؛ لأن الجائز موَسَّع غير مضيَّق. هذا الإناء يسع عشرين لتراً “.[15]

أما عند استعمالها على سبيل المجاز والكناية فمعلوم أن قولك ” رجل ذو سعة ” كناية عن غناه.

” فرس واسع القدمين ” كناية عن السرعة… وهكذا.

وهنا -برأي دعاة وجود إعجاز علمي في الآية الكريمة- لا مسوغ لحمل لفظ (موسعون) على المجاز، فتبقى على حقيقتها. كقولك: وسعت ثوبي، توسعوا في المجالس..

ولا مانع من إرادة المعنيين معاً، بل ذلك من التوسع في المعنى، وهو قمة البلاغة.

وفي نهاية الرد على هذه الشبهة، ينبغي شكر اللاديني (الختيار) الذي أقرّ -بعد أن أعمى الله بصيرته- بعدم وجود مادة قبل الانفتاق الكوني، وبهذا يقطع بعدم أزلية الكون، فلا بد للكون موجِد سبق إنشاء مادته، هو الخالق العظيم الواحد سبحانه وتعالى.

وصدق فيه قول الشاعر:

يُصيبُ وَما يَدري وَيُخطي وَما دَرى       وَكَيفَ يَكونُ النَّوْكُ إِلّا كَذالِكا [16]

وسبحان الله العلي العظيم !

الهوامش:

[1] لابن منظور 10/118رتق.
[2] للفيروزآبادي 1/1182 فصل الفاء.
[3] انظر: جامع البيان، الطبري 17/18 وما بعدها.
[4] بالعامية الأردنية تعني: حديث، كلام.
[5] هذا يخالف الحق والصواب.. قال د. زغلول النجار: ” في سنة ‏1948‏م أعلن كل من جورج جامو وزميله رالف ألفر أن تركيز العناصر في الجزء المدرك من الكون، يشير إلى أن الجرم الأولي الذي بدأ به الكون كان تحت ضغط وفي درجة حرارة لا يكاد العقل البشري أن يتصورهما‏،‏ وعند انفجاره انتقلت تلك الحرارة إلى سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن ذلك الانفجار،‏ وسمحت بعدد من التفاعلات النووية التي أدت إلى تكون العناصر الأولية من مثل الإيدروجين والهيليوم‏.‏وفي السنة نفسها‏1948‏م قدم كل من ألفر وهيرمان اقتراحا بأن الجرم الابتدائي للكون كان له إشعاع حراري يشابه إشعاع الأجسام المعتمة‏,‏ وأن هذا الإشعاع تناقصت شدته مع استمرار تمدد الكون وتبرده‏,‏ ولكن لابد أن تبقى منه بقية في صفحة السماء‏,‏ إذا أمكن البحث عنها وتسجيلها‏,‏ كانت تلك البقية الإشعاعية من أقوى الأدلة علي بدء خلق الكون بعملية الانفجار الكبير‏.‏

وفي سنة‏1964‏ م تمكن اثنان من علماء مختبرات بل للأبحاث وهما أرنو بنزياس وروبرت ويلسون بمحض المصادفة من اكتشاف تلك البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني، على هيئة ضوضاء لاسلكية محيرة تفد بانتظام إلى الهوائي الذي كانا قد نصباه لغاية أخرى، من جميع الجهات في السماء حيثما وجه الهوائي‏,‏ وقدروها بثلاث درجات مطلقة ـ‏270‏ درجة مئوية ـ‏ “.

[6] للفيروزآبادي 1/996 فصل الواو. وهذا اجتهاد منه رحمه الله تعالى في فهم الآية الكريمة بحسب ما لديه من معارف وخبرات.. وقد خالفه في ذلك الاجتهاد ابن منظور في لسان العرب 8/392 وسع: ” واستوسع الشيء: وجده واسعاً، وطلبه واسعاً، وأوسعه، ووسعه: صيره واسعاً. وقوله تعالى: ” والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون “. أراد: جعلنا بينها وبين الأرض سعة، جعل أوسع بمعنى وسع “. وهنا يتبين السر في عدم استشهاد اللاديني الختيار ـ كاتب الصفحة أعلاه ـ بلسان العرب كما استشهد به في الفقرة السابقة.. وهو يبين منهجيتهم غير الأمينة والموضوعية في البحث العلمي.

[7] قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط 1/584: ” الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وقد انفجر الصبح وتفجر وانفجر عنه الليل وأفجروا دخلوا فيه وأنت مفجر إلى طلوع الشمس “.

[8] في كتابه ديوان المعاني، ص885. الفصل الثالث من الباب السادس، ذكر الصباح والشمس والنهار، وما يجري مع ذلك.. أجود ما قيل في الصباح من شعر الأعراب. والبيت لذي الرمة، انظر: محاضرات الأدباء، الراغب الأصفهاني 4/165.. ومما ذكره من أمثلة قول العرب: ” فما زلت أصدع الليل، حتى انصدع الفجر “.

[9] رواه الترمذي في السير.. باب ما جاء في النزول على الحكم 1582 وقال: حسن صحيح. قلت: إسناده صحيح، صححه الألباني، انظر: صحيح الترمذي 4/144.

[10] في المغازي باب مرجع النبي rمن الأحزاب.. 4122. قال ابن حجر في فتح الباري 8/176: قوله: ” فافجُرها ” : أي الجراحة. قوله: ”  فانفجرت من لبته ” ـ بفتح اللام وتشديد الموحدة [أي: الباء] ـ: هي موضع القلادة من الصدر… وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل الورم إلى صدره، فانفجر من ثم “.

[11] هنالك كلمات يُقال عنها: إذا اجتمعت تفرقت، وإذا تفرقت اجتمعت.. أي: إن وجدت نصاً فيه الكلمتين معاً، فقد تفرقتا في المعنى ـ غير مترادفة ـ، ولكن إن وردت الكلمة الأولى في نص، والثانية في آخر فالغالب أن الكلمتين تجمعتا  ـ قد تترادفان في المعنى ـ. وأشهر مثال على ذلك: ” الإسلام والإيمان “. فكل منهما يدل على معنى مرادف للآخر، ولكن إن وجدتا في سياق نص واحد، عندها لكل منهما معنى مستقل..

[12] انظر: موسوعة الإعجاز العلمي، يوسف الاج أحمد، ص374، وما سينقل من أقوال علماء الغرب بعدها هو من الموضع ذاته.

[13] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس 6/86 وسع.

[14] الصحاح، الجوهري، 6/568 وسع.

[15] معجم اللغة العربية، أديب اللجمي وآخرون3/1346.

[16] البيت لأبي الأسود الدؤلي، ذكره الأصفهاني في الأغاني 6/312. والنّوْك: الحمق. انظر: لسان العرب، ابن منظور 10/501 نوك.

لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فقد أمر الله الإنسان أن يسير في الأرض ليبحث وينظر في بداية الخلق والكون، فقال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [العنكبوت:19]

 

لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد أمر الله الإنسان أن يسير في الأرض ليبحث وينظر في بداية الخلق والكون، فقال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [العنكبوت:19] . ثم بين الله أن طريق هذه المعرفة هو السير في الأرض مع النظر والتفكر، فقال في الآية التي تليها: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت:20] ، فلما سار الإنسان وصل إلى بعض الحقائق والنتائج:
ففي عام 1927م عرض العالم البلجيكي جورج لوميتر نظرية الانفجار العظيم (والنظرية فوق الفرضية ودون الحقيقية) والتي تقول: بأن الكون كان في بدء نشأته كتلة غازية عظيمة الكثافة واللمعان والحرارة، ثم بتأثير الضغط الهائل المتأتي من شدة حرارتها حدث انفجار عظيم فتق الكتلة الغازية، وقذف بأجزائها في كل اتجاه، فتكونت مع مرور الوقت الكواكب والنجوم والمجرات.
وفي عام 1964م اكتشف العالمان باتريس وويلسون موجات راديو منبعثة من جميع أرجاء الكون لها نفس الميزات الفيزيائية في أي مكان سجلت فيه، سميت بالنور المتحجر وهو النور الآتي من الأزمنة السحيقة، ومن بقايا الانفجار العظيم الذي حصل في الثواني التي تلت نشأة الكون.
وفي عام 1989م أرسلت وكالة الفضاء الأميريكية (ناسا) قمرها الصناعي، والذي أرسل بعد ثلاث سنوات معلومات دقيقة تؤكد نظرية الانفجار العظيم.
وفي سنة 1986م أرسلت المحطات الفضائية السوفياتية معلومات تؤيد نظرية الانفجار العظيم.
ولعل هذه النتائج التي وصلوا إليها بعد جهد جهيد، وزمن مديد هي التي أشار إليها القرآن في سياق دعوة الكافرين إلى الإيمان، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) ][الأنبياء:30] . ومعنى الآية: أن الأرض والسموات بما تحويه من مجرات وكواكب ونجوم، والتي تشكل بمجموعها الكون الذي نعيش فيه كانت في الأصل عبارة عن كتلة واحدة ملتصقة، وقوله (رَتْقاً) أي: ملتصقتين، إذ الرتق هو الالتصاق، ثم حدث لهذه الكتلة الواحدة فتق أي انفصال وانفجار تكونت بعده المجرات والكواكب والنجوم، وهذا ما كشف عنه علماء الفلك في نهاية القرن العشرين، وأدق وصف للمادة التي نشأ منها الكون أنها دخان، كما قال الله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت:11] .
ويقرر علماء الفيزياء النظرية والفلكية أن الدخان الكوني كان خليطاً من الغازات الحارة المعتمة التي تتخللها بعض الجسيمات الأولية للمادة وأضداد المادة، قال الدكتور زغلول النجار : في الثامن من نوفمبر سنة 1989م أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة باسم (مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون) ارتفعت إلى مدار حول الأرض يبلغ ارتفاعه ستمائة كيلو متر فوق مستوى سطح البحر، وذلك لقياس درجة حرارة الخلفية الإشعاعية للكون، وقياس كل من الكثافة المادية والضوئية والموجات الدقيقة في الكون المدرك، بعيداً عن تأثير كل من السحب والملوثات في المناطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقام هذا القمر الصناعي المستكشف بإرسال قدر هائل من المعلومات وملايين الصور لآثار الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وأثبتت تلك الصور أن هذا الدخان الكوني في حالة معتمة تماماً، تمثل حالة الإظلام التي سادت الكون في مراحله الأولى.
وكذا أخبرنا الله في كتابه عن اتساع الكون فقال: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذريات:47] .
والآية تشير إلى أن الكون المعبر عنه بلفظ السماء هو في حالة توسع دائم، يدل على ذلك لفظ (لَمُوسِعُونَ) فهو اسم فاعل بصيغة الجمع لفعل أوسع، وهو يفيد الاستمرار، لكن القرآن لم يبين تفاصيل الاتساع، وإنما أورده مجملاً، وهذا ما أثبته العلم الحديث.
ووجه الإعجاز في الآية لفظ (لَمُوسِعُونَ) الذي يفيد أن الكون في حالة توسع مستمر في الماضي والحال والاستقبال.
والله أعلم.

القرآن الكريم هو كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنظور، ويأتي الكتاب المسطور بالأدلة المطلقة على أن الكون خلقه الله بدقة متناهية واتزان دقيق، وحظي علم الفلك بعنايته وباهتمام الإسلام وأهله، فأورد القرآن عدداً وافراً من الآيات المتعلقة بالكون والفلك وان كان المقصود منها الهداية فهي تشير وتؤكد عظم هذا الخلق، فقد وردت


 القرآن الكريم هو كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنظور، ويأتي الكتاب المسطور بالأدلة المطلقة على أن الكون خلقه الله بدقة متناهية واتزان دقيق، وحظي علم الفلك بعنايته وباهتمام الإسلام وأهله، فأورد القرآن عدداً وافراً من الآيات المتعلقة بالكون والفلك وان كان المقصود منها الهداية فهي تشير وتؤكد عظم هذا الخلق، فقد وردت المفردات الفلكية وظواهرها في عشرات بل مئات الآيات من الكتاب المحفوظ فذكرت السماء 310 مرات والشمس 33 مرة والقمر 27 مرة والنجم 13 مرة والأرض 339 مرة. بالإضافة إلى تسمية بعض السور بمفردات كونية مثل القمر والنجم والشمس والمعارج والتكوير والانفطار والبروج والانشقاق، مع أن القرآن ليس كتاباً علمياً لكنه يزخر بأساسيات العلوم كلها ويدعو الى تدبر آياته وفهم معانيه، ويبقى السؤال الذي شغل عقول وتفكير الكثيرين من الباحثين والعلماء المتخصصين وحتى الناس العاديين، كيف بدأ خلق هذا الكون الشاسع؟ والإجابة بعيداً عن الخرافات والتصورات الخيالية في عقول الناس حول نشأة الكون قبل آلاف الآلاف من السنين ومحاولات الفلاسفة النظرية، تأتي الحقائق أو المحاولات العلمية إذ عرض العالم البلجيكي «جورج لوميتر» في عام 1927 نظرية «الانفجار العظيم» التي تقول إن الكون كان في بدء نشأته كتلة غازية عظيمة الكثافة واللمعان والحرارة ثم بتأثير الضغط الهائل من شدة حرارتها حدث انفجار عظيم فتق الكتلة الغازية بأجزائها في كل اتجاه فتكونت مع مرور الوقت الكواكب والنجوم والمجرات. موجات راديو في عام 1964 تم اكتشاف موجات راديو منبعثة من جميع أرجاء الكون سميت بالنور الآتي من الأزمنة السحيقة ومن بقايا الانفجار العظيم. وأكدت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» في عام 1989 نظرية الانفجار العظيم، وسمي ذلك كله باكتشاف القرن العشرين، لكن رغم صحة هذه الحقيقة إلا أن الدكتور حسني حمدان الدسوقي - استاذ الجيولوجيا وعلوم الأرض في جامعة المنصورة المصرية يقول إن من روائع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم أن نجد تاريخ الكون منذ مولده وحتى نهايته مسطراً في ثماني آيات في الكتاب المكنون. ويضيف: «ستظل إشارات القرآن حول حقائق خلق السماوات والأرض منارات تهدي العلماء الى التأريخ الكوني فهماً صحيحاً وتضم تلك هذه الآيات، آية تتحدث عن مولد السماوات والارض او الكون وهي قوله تعالى: «أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون» -سورة الانبياء الآية 30. كما تشير آية أخرى إلى اتساع السماء وهي قوله تعالى: «والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون» - سورة الذاريات الآية 47، بينما فصلت أربع آيات ثلاث مراحل لتطور السماوات والأرض وهي قوله تعالى : «قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين واوحى في كل سماء امرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم» - سورة فصلت الآيات من 9 - 12. وأخيراً آيتان تصفان نهاية الأرض بالقبض والسماوات بالطيّ هما قوله تعالى: «وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون» - سورة الزمر الآية 67، وقوله سبحانه «يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين» - سورة الانبياء الآية 104. وتمثل تلك الايات الثماني دررا يجب ان تتحلى بها علوم الفلك والكون، وغاية سعي العلماء ان يكتشفوا سر تلك الآيات ولذلك يجب ان تتصدر هذه الآيات المباركات اي حديث عن الكون وتاريخه ولو فطن علماء الكون لجعلوا منها مرشداً لهم في أبحاثهم. دقة الألفاظ يؤكد الدسوقي أنه مهما تقدمت علوم الكونيات والفلك بأنواعها المختلفة فلن تصل إلى الحقائق المطلقة في خلق السماوات والأرض بل جاءت هذه المفردات الكونية أكثر دقة في الإشارات القرآنية مثل اتساع السماء وليس اتساع الكون، وفتق الرتق وليس الانفجار العظيم، وطي السماء وليس الانسحاق العظيم، إلى غير ذلك من المفردات مثل بناء السماء وحبكها ورجعها، فالمفردات العلمية ليست دقيقة بالقدر الكافي مقارنة بمفردات القرآن التي تعبر عن الحقائق المطلقة لأشياء لم ير الناس خلقها، بالإضافة إلى أن مفردات القرآن في هذا الشأن تصحح للعلماء ما اختلفوا فيه وتفتح أمامهم نافذة على علوم المستقبل في علوم تأريخ الكون والفلك.. فتساؤلات من أين أتى الكون؟ والى اين يذهب وكيف ينتهي؟ وما حالة الكون بين البداية والنهاية؟ لا تجد إجابة في الأوساط العلمية وتبدو أسئلة عسيرة وصعبة، الا ان القرآن الكريم يورد الإجابة الحقيقية والشافية عندما يؤكد ان البداية هي فتق الرتق ومولد السماوات والأرض، وان اصلهما الدخان، وان اتساع السماء صفة ملازمة للكون ومراحل الخلق ثلاث. ويشير إلى أنه قد جاء في مختصر التفاسير أن أصل الكون في كتاب الله رتق فتقه الله يقول الحق تبارك وتعالى :«أولم ير الذين كفروا ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما» . فقال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة يعني انها كانت شيئاً واحداً ملتصقتين ففصل الله بينهما بالهواء، وهذا الرأي لا يبعد كثيراً عن رأي فريق من العلماء يرى أن الكون بدأ متجانساً. ويرى أن العلم عليه أن يصحح مساره مسترشداً بحقيقة «فتق الرتق» والرتق أي الملتئم المنضم، مؤكداً أن المسلم لا يسعه إلا أن يعجب بفقه علماء القرآن حينما يقرأ تفسيراتهم للآية السابقة ويدرك مدى توافق آراء علماء الفلك بأجهزتهم الحديثة ومناظيرهم المتطورة وسفنهم الفضائية مع آراء المفسرين لكلمات الله تعالى، إذن فالرتق هو الشيء المضموم المسدود المجمع والفتق عكسه، وهذا التفسير يدل على أن السماء والأرض كانتا شيئاً واحداً متصلاً ومن عناصر واحدة وقد فصل الله بينهما فانتثرتا في الفضاء، ورفع السماء بلا عمد، وربط أجزائها وحفظ اتزانها في مواقعها. ويؤكد القرآن الكريم في مواضع كثيرة على أن هذا الكون بمجراته ونجومه وكواكبه وأقماره زمامه في يد خالقه ونواميس الحركة والحياة فيه من تدبير الخالق العظيم الواحد الذي يقول للشيء كن فيكون.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ:

 


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - فَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، الْكَبِيرُ الْمُتَعَالُ.

 

أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ... إِنَّ الْكَوْنَ كِتَابٌ مَفْتُوحٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِيُقْرَأَ بِكُلِّ لُغَةٍ وكُلِّ لِسَانٍ، وَيُدْرَكَ بِكُلِّ الْحَوَاسِّ وَبِشَتَّى الْوَسَائِلِ؛ لِلْوُقُوفِ عَلَى صُنْعِ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وَالَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءِ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.

فَالسَّمَاءُ وَارْتِفَاعُهَا وَاتِّسَاعُهَا وَمَا فِيهَا مِنْ كَوَاكِبَ نَيِّرَةٍ وَنُجُومٍ زاهِرَةٍ، وَالْأرْضُ وَانْبِسَاطُهَا وَانْخِفَاضُهَا وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَبِحَارٍ وَثِمارٍ وَأَشْجَارٍ وَأَنْهَارٍ وَإِنْسانٍ وَحَيَوَانٍ، تَجْعَلُ الْقَلْبَ يَنْطِقُ قَبْلَ اللِّسَانِ: (لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إِيَّاهُ).

 

تِلْكَ الْحَدائِقُ الْمُبْهِجَةُ الَّتِي تَرَوْنَهَا فِي مَشَارِقِ الْأرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَالْمَاءُ الَّذِي يَتَخَلَّلُهَا وَبِهِ تَحْيَا النُّفُوسُ وَالْمُهَجُ، مَنَ الَّذِي أَوْجَدَ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ جل وعلا؟ ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ [النمل: 60].

 

مَنِ الَّذِي خَلَقَ الْأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا الْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَشَّقَ فِيهَا الْمِيَاهَ بِحَارًا وأَنْهَارًا، وَجَعَلَ فِي السَّمَاءِ أَفْلاَكًا، ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: 61].

 

لِمَنْ تِلْكُمُ الشَّوَاهِدُ الَّتِي تَرَوْنَهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، مَنِ الَّذِي خَلَقَ النَّاسَ وأَمَاتَهُمْ؟ مَنِ الَّذِي يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ؟ إنَّهُ الْعَظِيمُ جَلَّ جَلاَلُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ﴿ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [النمل: 63، 64].

 

مَنِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ أَصَلَ النَّمَاءِ وَعُنْصُرَ الْحَيَاةِ وَسَبَبَ الْبَقاءِ إلَّا اللهُ؟! وَمَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنَ الأَرْضِ وأَنْزَلَهُ مِنْ السَّماءِ إلَّا اللهُ؟! ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 68 - 70].

 

مِنَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالنَّهَارَ مَعَاشًا.. إلَّا اللهُ؟، مَنِ الَّذِي يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَرْزُقُ وَيَحْرِمُ، وَيَرْفَعُ وَيَخْفِضُ.. إلَّا اللهُ؟، مَنِ الَّذِي يَهَبُ الْمُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، ويُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ.. إلَّا اللهُ؟، إنَّهُ اللهُ الَّذِي بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَدِيرٌ.

 

مَنِ الَّذِي يَسْمَعُ أَنَّاتِ الْمُضْطَهَدِينَ، وَدَعَوَاتِ الْمُضْطَرِّينَ، وَصَرْخَاتِ الْمُحْتَاجِينَ إلَّا اللهُ، اللهُ هُوَ مَنْ تَشْرَئِبُّ الْأَعْنَاقُ وَتَرْتَفِعُ الْأَكُفُّ ضَارِعَةً إِلَيهِ، تَسْتَمْطِرُ رَحْمَتَهُ، وَتَسْتَنْزِلُ نُصْرَتَهُ، إِنَّهُ الْمَلْجَأُ إِذَا أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، وَمَعْقَدُ الْأَفْئِدَةِ وَالْأَبْصَارِ إِذَا أُوصِدَتِ الدُّرُوبُ ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

للهِ في الآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلَّ
أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا
ولَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ
عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا
والْكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ
إِذَا حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا

 

أَيْنَ نَحْنُ -أَيُّهَا الإِخْوَةُ- مِنَ التَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ؟! بَلْ أَيْنَ نَحْنُ مِنَ التَّدَبُّرِ فِي أَنْفُسِنَا، مَنِ الَّذِي رَكَّبَنا هذا التَّرْكِيبَ الْبَدِيعَ، وَصَوَّرَنا فَأَحْسَنَ التَّصْوِيرَ؟! إنه اللهُ جل وعلا ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾[الذاريات: 20، 21]، هَلْ نَظَرْنا فِي الْكَوْنِ وَصَنْعَتِهِ، وَفِي الْمَخْلُوقَاتِ وَإِبْدَاعِهَا، هَلْ تَفَكَّرنا فِي السَّمَاواتِ وَرَافِعِهَا، وَفِي الْأرْضِ وَبَاسِطِهَا، هَلْ تَدَبَّرْنا فِي الْأَرْزَاقِ ومُقَسِّمِهَا، فَسُبْحَانَه مِنْ إلَهٍ عَظِيمِ الشَّانِ.

سَلِ الْوَاحَةَ الْخَضْرَاءِ والْمَاءَ جَارِيَا
وهَذِي الصَّحَارِي والْجَبَالَ الرَّوَاسِيَ
سَلِ الرَّوْضَ مُزْدَانًا سَلِ الزَّهْرَ والنَّدَى
سَلِ اللَّيْلَ والإِصْبَاحَ والطَّيْرَ شَادِيَا
وسَلْ هَذِهِ الأَنْسَامَ والأَرْضَ والسَّمَا
وسَلْ كُلَّ شَيْءٍ، تَسْمَعُ الْحَمْدَ سَارِيَا
فَلَوْ جَنَّ هذَا اللَّيْلُ وامْتَدَّ سَرْمَدَا
فَمَنْ غَيرُ ربِّي يُرْجِعُ الصُّبْحَ ثَانِيَا؟!

 

أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟! حَاشَا وَكَلاَّ... لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الْحَمْدُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ... أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللَّهِ - وَخَافُوا مَعْصِيَتَهُ، وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ وفَضْلِهِ..

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ... إِذَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَه وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ، فَكَيْفَ يَتَّخِذِ الْمَخْذُولُونَ شُرَكَاءَ لَهُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، إِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ فَكَيْفَ سَوَّلَتْ لِهَؤُلَاءِ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَدْعُوا غَيْرَهُ، أَوْ يَلْجَؤُوا إِلَى سِوَاهُ، أَوْ أَنْ يَصْرِفُوا وُجُوهَهُمْ لِأَحَدٍ غَيرِ اللهِ.

 

كَيْفَ تَجَرَّأَ الْبُعَدَاءُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَكَيْفَ قَصَّرُوا فِي عِبَادَتِهِ، وَتَرَكُوا طَاعَتَهُ، وَكُلُّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ إِنَّمَا هُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَكُلُّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِهِمْ إِنَّمَا هيَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ، سُبْحَانَكَ رَبَّنَا مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ.

كَيْفَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ وَالْهَوَى أَنْ يَعْصُوهُ وَيَبْتَعِدُوا عَنْه وَهُوَ الَّذِي يَتَحَبَّبُ إِلَيْنَا بِنِعَمِهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنَّا وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ إِلَيهِ.

 

أَلَا فلنتق الله - يا عِبَادَ اللَّهِ - وَلْنَعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلَّا إِلَيْهِ، وَمَهْمَا كَتَمْنَا عَنِ النَّاسِ مَعَاصِينَا وَذُنُوبِنَا وَتَجَمَّلْنَا أَمَامَهُمْ فَإِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ مُطَّلِعٌ علَى أَسْرَارِنَا وَضَمَائِرِنَا ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [البقرة: 77]، فَلْنَتُبْ إِلَيهِ، ولْنَعْلَمْ أَنَّنا مَا زِلْنَا فِي أيَّامٍ فَاضِلَةٍ، وَسَاعَاتٍ مُبَارَكَةٍ، قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَنَا فِيهَا.

 

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ عِبَادِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ..

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحَيِّيَ قَلُوبُنَا بِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، إِنَّه حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْزِيَ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا عَنَّا خَيْرَ الْجَزَاءِ.. اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنَّا رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ.. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ وَعَافِهِمْ واعْفُ عَنْهُمْ.

اللهمَّ انْصُرْ المُجَاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، ووَفِّقْ ولي أمرِنَا لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.