الاثنين، 25 أبريل 2022

التمسوا القدر في ليلة القدر

 

التمسوا القدر في ليلة القدر

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، الحمد لله عدد خلقه ورِضا نفسه وزِنَةَ عرشه ومِداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس، ويصطفي من الأماكن أطهرَها ومن الزمان أفضلَه، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليله، سيِّد الأولين والآخرين، وإمام المتقين.

 

إنَّنا نعيش في هذه الأيام المباركات نَفحة وبداخلها نفحات كثيرة؛ فالنفحة الكُبرى والمِنَّة العُظمى هي شهر رمضان، وبداخله الرحمات والنفحات التي يجب على كلِّ مسلم لَبيب أن يتعرَّض لها؛ عسى أن يُرزق القبول والعِتق من النيران؛ ومن بين هذه النَّفحات هذه الليلةُ المباركة التي هي خَير من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر.

 

تأتينا ليلة القدر هذا العام وجسد الأمة قد أُنهك ومُزِّق، تأتينا وحالنا كحال الأغنام في الليلة الممطِرة، وكحال الأيتام على موائد اللِّئام، تأتينا وقد تداعَت علينا الأمم كما تَداعى الأكلة على قَصعتها، ندعو اللهَ عزَّ وجل أن تكون ليلتنا هذه علاجًا لهذه النكبات، وتضميدًا لهذه الجروح، وتطييبًا لهذه النفوس.

 

قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5].

 

أولًا: سبب نزول سورة القدر:

عن مجاهد قال: ذَكر النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألفَ شهر، فتعجَّب المسلمون من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 1 - 3]، قال: ((خير من التي لبس فيها السلاح ذلك الرجل))[1].

 

ثانيًا: سبب تسمية الليلة بـ "ليلة القدر":

لقد سمِّيَت هذه الليلة المباركة بليلة القدر؛ وذلك لأمور عدَّة، نذكر منها:

1- لأنه نزَل فيها كتابٌ ذو قَدر، بواسطة ملَكٍ ذي قَدر، على رسول ذي قدر، لأمَّةٍ ذات قدر.

2- وقيل: لأنه مَن أتى فيها بفعل الطَّاعات، صار ذا قَدر وشرَف عند الله تبارك وتعالى.

3- وقيل: سُمِّيت بهذا الاسم لأنَّه في هذه الليلة يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: "أن الله يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السَّنة من مطر ورِزق، وإحياءٍ وإماتة، إلى السَّنة القابلة"؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4]، والمراد من التقدير: إظهاره تبارك وتعالى ذلك للملائكة عليهم السلام المأمورين بالحوادث الكونية، والمعنيين بشؤون الخلق، وإلا فتقديره تعالى بجميع الأشياء أزَلي قَبل خلق السموات والأرض.

4- وقيل: المراد بها التعظيم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الأنعام: 91].

5- وقيل: (ليلة القَدر) تعني: ليلة الضِّيق، قاله الخليل بن أحمد مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ [الطلاق: 7]؛ أي: ضُيِّقَ، وسُمِّيت بذلك لأنَّ الأرض تَضيق بها الملائكة النازلة إليها في تلك الليلة، ونزول الملائكة كله خير وبرَكة، وفي الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وإنَّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثَر من عدَد الحصى))؛ (رواه أحمد عن قتادة).

 

وليس هناك ما يَمنع أن يكون معنى ليلة القدر مُتضمنًا لكلِّ هذه المعاني؛ فهي الليلة ذات الشرف والقَدر؛ لِما حدث فيها من تنزُّل القرآن الكريم، ولِما يتنزَّل فيها ملائكة الله الأكرمين، ولِما يُظهر الله فيها لملائكته ما قدَّره في شأن العباد أجمعين لعامهم الجديد...، والله أعلى وأعلم.

 

ثالثًا: علامات ليلة القدر:

إنَّ هذه العلامات بشارة لِمن أحيا هذه الليلة، وهناك علامات أخرى لكنها لا تَثبت، مثل: أنه لا تَنبح فيها الكلاب، ولا يُرمى فيها بنجم، أو أن ينزل فيها مطر؛ ومن هذه العلامات:

1- قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة.

2- سكون الرِّياح واعتدال الجوِّ.

3- طُمأنينة القلب وانشِراح الصدر.

4- الشعور بلذَّة العبادة في هذه الليلة عن غيرها.

5- قد يراها العبد في المنام؛ كما كان يحدث لبعض الصحابة.

6- الشمس تطلع في صَبيحتها ليس لها شُعاع، والسماء صافية ليست كباقي الأيام.

 

عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: "أخبَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها تَطلع يومئذٍ لا شعاع لها"؛ (رواه مسلم).

عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: ((ليلة سمحة طلقة، لا حارَّة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضَعيفة حمراء))؛ (أخرجه الطيالسي).

عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنِّي رأيتُ ليلة القدر فأُنسيتُها، وهي في العشر الأواخر من لياليها، وهي طلقة بلجة[2]، لا حارَّة ولا باردة، كأنَّ فيها قمرًا، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها)).

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى))؛ (رواه ابن خزيمة، وحسَّن إسناده الألباني).

وليلة القدر ليست خاصَّة بهذه الأمَّة، بل هي عامَّة لهذه الأمَّة، وللأمم السابقة كلها، وفي حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء، فإذا ماتوا رُفِعَت، قال عليه الصلاة والسلام: ((بل هي إلى يوم القيامة))؛ (خرَّجه أحمد وغيره، وهو صحيح).

وكل هذه العلامات لا تُعطي يقينًا بها، ولا يمكن أن تَطَّرد؛ لأن ليلة القدر في بلاد مختلفة في مناخها، وفي فصول مختلفة أيضًا، وقد يوجد في بلاد المسلمين بلَد لا ينقطع عنه المطَر، وآخر يصلِّي أهله صلاةَ الاستسقاء مما يعاني من المَحْل، وتختلف البلاد في الحرارة والبرودة، وظهور الشمس وغيابها، وقوَّة شعاعها وضعفه، فهيهات أن تتَّفق العلامات في كلِّ أقطار الدنيا.

 

رابعًا: فضل ليلة القدر:

يا لها من ليلة وقتها قصير وخيرها وفير! مَن أدركها كُتب من الفائزين، ومن ضيَّعها كُتب من الخاسرين الهالكين.

1) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه))؛ (أخرجه الشيخان).

 

2) روي في الحديث الصَّحيح في فضائل رمضان قال صلى الله عليه وسلم: ((فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرم))؛ (أخرجه أحمد والنسائي).

 

3) قال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3] قال: عملها وصيامها وقيامها خيرٌ من ألف شهر، وعن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شَهر ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وقال عمرو بن قيس: عملٌ فيها خير من ألف شهر؛ وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، وهو الصَّواب؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((رِباط ليلة في سَبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل))؛ (أخرجه أحمد).

 

4) روى ابن أبي حاتم عن مجاهد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاحَ في سبيل الله ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5]، التي لبس ذلك الرَّجل السلاحَ في سبيل الله ألف شهر؛ (أخرجه ابن أبي حاتم).

 

5) روى ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يُصبح، ثم يجاهد العدوَّ بالنَّهار حتى يُمسي، ففعل ذلك ألفَ شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3] قيام تِلك الليلة، خيرٌ من عمَل ذلك الرجل؛ (أخرجه ابن جرير عن مجاهد موقوفًا).

خامسًا: تحرِّي ليلة القدر:

عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: "انطلقتُ إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فقلت: ألا تَخرج بنا إلى الَّنخل نتحدَّث، فخرج فقال: قلتُ: حدِّثني ما سمعتَ من النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر؟ قال: اعتكف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: ((إنَّ الذي تَطلب أمامك))، فاعتكف العشرَ الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: ((إنَّ الذي تَطلب أمامك))، فقام النَّبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: ((مَن كان اعتكف مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فليرجِع؛ فإنِّي أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر، وفي وِتْرٍ، وإنِّي رأيت كأنِّي أسجد في طين وماء))، وكان سقف المسجد جريد النَّخل، وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قزعة[3]، فأمطرنا، فصلَّى بنا النَّبي صلى الله عليه وسلم، حتى رأيتُ أثَرَ الطِّين والماء على جَبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبَتِه[4]؛ تصديق رؤياه"؛ (رواه البخاري).

 

2) روى الإمام أحمد بن حنبل عن عُبادة بن الصَّامت أنه سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القَدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((في رمضان، فالتمِسوها في العَشر الأواخر؛ فإنها وِتر إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة))؛ (أخرجه أحمد).

 

3) وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تحرَّوا ليلةَ القدر في الوِتر من العشر الأواخر من رمضان))؛ (أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري).

 

4) روى البخاري في صحيحه عن عُبادة بن الصَّامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان[5] من المسلمين، فقال: ((خرجتُ لأخبركم بليلة القَدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة))؛ (أخرجه البخاري).

 

5) ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن عمر أنَّ رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلةَ القدر في المنام في السَّبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرى رؤياكم قد تَواطأَت[6] في السَّبع الأواخر، فمَن كان متحرِّيها، فليتحرَّها في السَّبع الأواخر))؛ (أخرجاه في الصحيحين).

 

6) عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: ((إنَّها في ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإنَّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى))؛ (أخرجه أحمد).

 

7) روى الترمذي والنسائي من حديث عُيَيْنة بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بكر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((في تِسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة))؛ يعني: التمسوا ليلة القَدر؛ (أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح)، وفي المسند من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: ((إنَّها آخر ليلة)).

 

سادسًا: سبب عدم تحديد ليلة القدر بليلة معينة:

إنَّ سبب عدم تحديد ليلة القدر بلَيلة معيَّنة أنها إذا كانت مُبهمة اجتهد طلَّابها في ابتغائها في جميع مَحالِّ رجائها؛ فكان أكثر للعِبادة، بخلاف ما إذا علِموا عينَها، فإنها كانت الهمم تَقتصر على قيامها فقط، وإنَّما اقتضَت الحكمة إبهامها لتعمَّ العبادة جميعَ الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العَشر الأواخر أكثر؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله عزَّ وجلَّ[7].

عن عبدالله بن أُنيس أنه قال: يا رسول الله، أخبرني في أيِّ ليلة تبتغى فيها ليلة القدر؟ فقال: ((لولا أن يترك الناس الصَّلاة إلا تلك الليلة، لأخبرتُك)).

 

سابعًا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر:

روى الإمام أحمد عن عبدالله بن بريدة، أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسولَ الله، إن وافقتُ ليلةَ القَدر، فما أدعو؟ قال: ((قولي: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفو، فاعف عنِّي))؛ (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه).

قال الشافعي: "استحب أن يكون اجتهاده في نهارها، كاجتهاده في ليلها"، وقال سفيان الثوري: "الدعاء في الليلة أحب إليَّ من الصَّلاة".

قال النووي: "ويُستحب أن يُكثر فيها من الدَّعوات بمهمات المسلمين؛ فهذا شعار الصالحين، وعباد الله العارفين".

 

ثامنًا: توصيات وضوابط لإحياء ليلة القدر:

ليلة القدر هي من نَفحات الدَّهر التي يتفضَّل الله تعالى بها على عِباده، فيغدق عليهم من فضله ورحمتِه وبركته في هذه الليلة أضعافًا مُضاعفة عمَّا يَحدث طوال العام؛ لذا يشمِّر لها المشمِّرون، وينتظرها العارفون، لينهلوا من هذا الفيض الربَّاني ما استطاعوا.

 

ومن مظاهر الاستعداد لهذه الليلة المباركة:

1) استحضر نيَّةَ إحياء هذه الليلة، واقرأ عنها وعن فضلها وآدابها.

 

2) خذ قسطًا من الرَّاحة وقت القيلولة لتنشط ليلًا.

 

3) تناول وجبةَ الإفطار الخفيفة، ولا تثقل فلا تقوى عندها على الطَّاعة.

 

4) اطلب من الوالدين ومَن يُعرف عنهم الصَّلاح ألَّا ينسوك من صالح دعائهم في هذه الليلة، وإن كان والداك قد توفَّاهما الله أو أحدهما، فلا تَنس الدُّعاء لهما بالمغفرة والرَّحمة والعتق من النار.

 

5) احرص على إخراج صدَقة في هذه الليلة، راجيًا من الله تعالى القبول ومضاعفة الأجر.

 

6) احرص على إصلاح ذات البَين وسلامة الصَّدر، وابتعد عن المشاحنة؛ فإنها (الحالقة) التي تَحلق الدِّين.

 

7) احرص على اصطحاب (المكلفين) من أبنائك معك للمسجد في هذه الليلة؛ ليشهدوا خيرها.

 

8) إن لم تكن مُعتكفًا، فاحرص على اعتكاف هذه الليلة، واحرص على الوجود في المسجد من أول النهار إن استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، أو من بعد صلاة المغرب على الأقل.

 

9) كُن عازمًا على التوبة قبل الإحياء وبعده.

 

10) احرص على نيَّة التخلية والتحلية؛ بأن تتخلَّى عن صفات وذنوب، وتتحلَّى بصفات وطاعات.

 

11) احرص على آداب المسجد، واستشعر معيَّةَ الله تعالى، وأنك ضيف على الله تعالى في بيته، واحرص كذلك على الانقِطاع التامِّ عن الدنيا، وعدم اصطحاب الهاتف أو أي شيء من شأنه شغلك وإلهاؤك عن الخشوع في العبادة هذه الليلة.

 

12) إذا كنتَ في صحبة من الناس، فاحرص على مرافقة ذوي الهمَّة العالية والعلم والصلاح والتقوى.

 

13) احرص على الطَّهارة طوال هذه الليلة.

 

14) احرص على استثمار كل لَحظة، وإيَّاك والتقصير، ولا تقنع بالقليل؛ فإن نفحات الدَّهر لا تعوَّض، وإنَّ سلعَةَ الله التي ترغبها غالية.

 

15) احرص على الخشوع والتفكُّر والتدبُّر، فما فائدة العبادة والقلبُ لاهٍ وفي كل وادٍ منشغل؟

 

16) احرص على التوجُّه القلبي والإلحاح والتذلُّل وباقي آداب الدعاء.

 

17) تيقَّن من إجابة دعائك وقبول طاعتك بفضل الله تعالى؛ لتنشط هِمتك.

 

18) الإكثار من الدعاء وطلب كل شيء مهما كان بسيطًا؛ ((فإنَّ الله تعالى لا يَمَل حتى تملُّوا)).

 

19) ناجِ الله تعالى بقلبٍ حزين، واستحضر كلَّ سيئة وعمل قبيح وتفريط وتهاون صدَر منك.

 

20) أكثِر من الدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.

 

21) أكثِر من الاستغفار بدعاء سيِّد الاستغفار.

 

22) أكثِر من الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الصلاة الإبراهيمية.

 

23) أكثِر من الدعاء بتفريج همِّ المسلمين، ورفع الظلم عن الأمَّة وعن المظلومين.

 

24) ((إذا سألتم اللهَ تعالى، فاسألوه الفردوسَ الأعلى))، فاسأل الله تعالى العتقَ من النار، والقرب من الله تعالى في الجنَّة، وأكثِر كذلك من دعاء: "اللهمَّ إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عنَّا".

 

25) اطلب حاجتك التي فيها نفع الدنيا والآخرة؛ (كالرزق الحلال، والزوجة الصالحة، والولد الصالح... وغيرها) مما يعينك على دنياك وآخرتك.

 

26) لتكن لك سَجدة طويلة، تناجي فيها اللهَ تعالى بدعائك، وتبكي أو تتباكى فيها خاشعًا متذلِّلًا لله تعالى، راجيًا المغفرة والقبول.

 

27) احرص على أن يكون لك وقت كافٍ مع كتاب الله تعالى؛ تاليًا، خاشعًا، مُتدبرًا، متَّبعًا آداب التلاوة.

 

28) احرص على إحياء هذه الليلة حتى مَطلع الفجر.

 

29) راجع هذه الضوابط مُبكرًا مع الأهل، وتأكَّد من مشاركتهم في قيام هذه الليلة.

 

30) اشكر اللهَ تعالى على نِعمة إحياء ليلة القدر؛ فإن هناك من الناس مَن يغفل عنها، وآخرون على سرير المرض، فلتكن لك سَجدة شكر في نهايتها بأن وفَّقك الله لهذه الطاعة.

 

هذه بعض النَّصائح التي تخص هذه الليلة، ومن المؤكد أنَّ هناك غيرها الكثير والكثير، ممَّا يفتح الله تعالى على عباده، كلٌّ على قَدر نيَّته وعزيمته وتوجُّهه لله تعالى.

 

وختامًا:

أسأل اللهَ عز وجل في عليائه أن يجعلنا وإيَّاكم من أهلها ومن شهودها، وأن يتقبَّل فيها دعاءنا، وأن يبدل فيها أحوالنا وأحوال أمَّتنا بهلاك أعدائنا، وأن يجعلهم الله تعالى عِبرةً لكلِّ مُعتبر، ونسأله تعالى أن يتولَّى أمرنا، وأن يدبِّره لما فيه خيرَا الدنيا والآخرة، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.



[1] "أسباب النزول"؛ للواحدي رحمه الله تعالى.

[2] بلجة: واضحة ظاهرة.

[3] قزعة: قطعة رقيقة من السحاب.

[4] أرنبته: طرف أنفه.

[5] ((فتلاحى رجلان)): تنازعا وتخاصما.

[6] تواطأَت: توافقت.

[7] "مختصر تفسير ابن كثير"؛ محمد علي الصابوني (ج 3، ص 662

ليلة القدر في القرآن

 

ليلة القدر في القرآن

آيات الصيام في القرآن (7)

 

رمضان شهر كريم، وفرصة غالية يجب استغلالها في تكثير الحسنات، والتقرب إلى رب السموات، بجميع أنواع النوافل والطاعات، وفي هذه المادة بيان منزلة ليلة القدر، التي هي إحدى ليالي شهر رمضان.

 

اختص الله - تبارك وتعالى - هذه الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص، وفضَّلها على غيرها من الأمم بأن أرسل إليها خير الرسل، وأنزل لها الكتاب المبين كتاب الله العظيم، كلام رب العالمين، في ليلة مباركة، هي خير الليالي، ليلة اختصها الله - عز وجل - من بين الليالي أنها ليلة القدر ذات الشأن العظيم، وبيَّن أن العمل الصالح فيها يكون ذا قدر عند الله خيرًا من العمل في ألف شهر، وفي هذه الليلة يكثر نزول الملائكة وجبريل عليه السلام فيها، بإذن ربهم من كل أمر قضاه في تلك السَّنة.

 

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5].

 

إن الله - سبحانه وتعالى - يقول: إنا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْر، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السَّنة.

 

تفسير الآية:

﴿ إنا أنزلناه ﴾؛ أي: القرآن، جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ﴿ في ليلة القدر ﴾؛ أي: الشرف العظيم ﴿ وما أدراك ﴾ أعلمك يا محمد ﴿ ما ليلة القدر ﴾ تعظيمٌ لشأنها وتعجيب منه ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ ليس فيها ليلة القدر؛ فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها ﴿ تنزل الملائكة ﴾ بحذف إحدى التاءين من الأصل ﴿ والروح ﴾؛ أي: جبريل ﴿ فيها ﴾ في الليلة ﴿ بإذن ربهم ﴾ بأمره ﴿ من كل أمر ﴾ قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل، ومِن سببية بمعنى الباء ﴿ سلام هي ﴾ خبر مقدم ومبتدأ ﴿ حتى مطلع الفجر ﴾ بفتح اللام وكسرها: إلى وقت طلوعه، جعلت سلامًا؛ لكثرة السلام فيها من الملائكة، لا تمر بمؤمن ولا بمؤمنة إلا سلَّمت عليه[1].


معاني الكلمات:

﴿ إنا أنزلناه ﴾: أي القرآن، جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا.

 

﴿ في ليلة القدر ﴾: أي ليلة الحكم والتقدير، التي يقضي فيها قضاء السنة كلها.

 

﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾: أي إن شأنها لعظيم.

 

﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾: أي العمل الصالح فيها من صلاة وتلاوة قرآن ودعاء - خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.

 

﴿ والروح فيها ﴾: أي جبريل في ليلة القدر.

 

﴿ بإذن ربهم ﴾: أي ينزلون بأمره تعالى لهم بالتنزل فيها.

 

﴿ من كل أمر ﴾: أي من كل أمر قضاه الله تعالى في تلك السنة من رزق وأجل وغير ذلك.

 

﴿ سلام هي حتى مطلع الفجر ﴾: أي هي سلام من الشر كله من غروب الشمس إلى طلوع الفجر[2].

 

إعراب الآية:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾: إن واسمها وجملة أنزلناه خبرها؛ أي: نجومًا متفرقة بحسب الوقائع والحاجة الماسّة إليه في مدى ثلاث وعشرين سنة، وفي إضمار القرآن وإن لم يتقدم له ذكر شهادةٌ له بالتشريف، وأسنده إليه تعالى وجعله مختصًّا به دون غيره، ورفع مدة الوقت الذي أنزل فيه، فهذه ثلاثة أوجه لتعظيم القرآن، وفي ليلة القدر متعلقان بأنزلناه، والواو حرف عطف، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة أدراك خبر، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وليلة القدر خبر ما، والجملة المعلقة بالاستفهام سدّت مسدّ مفعول أدراك الثاني.

 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾: ليلة القدر: مبتدأ، وخير: خبر، ومن ألف شهر: متعلقان بخير، والجملة مستأنفة كأنها جواب لسؤال نشأ عن تفخيم ليلة القدر، تقديره: وما فضائلها؟!

 

﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾: استئناف ثانٍ مسوق للإجابة عن السؤال نفسه، وتنزل: فعل مضارع مرفوع، أصله: تتنزل، والملائكة: فاعل، والروح: نسق على الملائكة، وإنما أفرد جبريل بالذكر؛ تنويهًا بفضله، على حدّ قوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68] والنخل والرمان من الفاكهة، وفيها: متعلقان بتنزل، ولك أن تعلقه بمحذوف حال من الملائكة؛ أي: ملتبسين، وبإذن ربهم: متعلقان بتنزل، ومن كل أمر: أي من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السَّنة، متعلق بتنزل.

 

﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾: سلام: خبر مقدّم، وهي مبتدأ مؤخر، وحتى حرف غاية وجر، ومطلع الفجر: مجرور بحتى، والجار والمجرور متعلقان بسلام، وفيه إشكال، وهو الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ، والجواب أن الظروف والجار والمجرور يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها، والأحسن كما قال الخطيب أن يتعلقا بمحذوف قدّره الخطيب: يستمرون على التسليم من غروب الشمس حتى مطلع الفجر[3].

 

سبب تسميتها بليلة القدر:

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -:

أولاً: سميت ليلة القدر؛ مِن القدر، وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم؛ أي: ذو شرف.

 

ثانيًا: أنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله - عز وجل - وبيان إتقان صنعه وخلقه.

 

ثالثًا: وقيل لأن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا؛ لقول النبي: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه))؛ متفق عليه.

 

فضائل ليلة القدر:

أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1].

 

أنها ليلة مباركة، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان: 3].

 

يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4].

 

فضل العبادة فيها عن غيرها من الليالي، قال تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].

 

تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة، قال تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ [القدر: 4].

 

ليلة خالية من الشر والأذى، وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب، ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها، فهي سلام كلها، قال تعالى: ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5].

 

فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه))؛ متفق عليه.

 

من هداية الآيات:

1- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.

 

2- تقرير عقيدة القضاء والقدر.

 

3- فضل ليلة القدر وفضل العبادة فيها.

 

4- بيان أن القرآن نزل في رمضان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأنه ابتدئ نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أيضًا.

 

5- الندب إلى طلب ليلة القدر للفوز بفضلها، وذلك في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأرجى ليلة في العشر الأواخر هي الوتر كالواحدة والعشرين إلى التاسعة والعشرين؛ لحديث الصحيح: ((التمسوها في العشر الأواخر)).

 

6- استحباب الإكثار من قراءة القرآن وسماعه فيها؛ لمعارضة جبريل الرسولَ صلى الله عليه وسلم القرآنَ في رمضان مرتين[4].



[1] تفسير الجلالين (1 / 815).

[2] أيسر التفاسير؛ للجزائري (5 / 597).

[3] إعراب القرآن وبيانه (10 / 538).

[4] أيسر التفاسير؛ للجزائري (5 / 598).

يا ليلة القدر:

 

سَيّدَةُ اللَّيالِي لَيْلةُ القَدْرِ


الحمد لله الذي أفاض النعم وأسبغ من الكرم ورفع الأجور وزاد في النور وجعل أمة الإسلام حاصدة الخير وسابغة الستر، لا إله هو وهو على كل شيء قدير.

اللهم إنا نحمدك على ما أوليت من فضلٍ وعطاءٍ، وعلى ما كفيتنا من نقمٍ وبلاءٍ، ونسألك مزيد الهدى والكرم برحمتك يا أرحم الراحمين.


يا ليلة القدر:

يا لَيْلَةَ القَدْرِ آمالاً نُعَانيها
ومن مُحَيَّاكِ تأتينا غَواليها
يا ليلةً زانها الرحمنُ جَمَّلَهَا
فيها العطاءُ وما أدراك ما فيها
فيها السلامُ من الهادي تُرَدِّدُهُ
ملائكٌ نزلتْ والروحُ حَادِيهَا
يا ليلةً وهبَ الفتَّاحُ قائِمَهَا
غفرانَهُ ألفَ شهرٍ لا يساويهَا
قد خصَّهَا اللهُ بالقُرآنِ تَذْكِرَةً
فيه السعادةُ في أسمى معانيهَا
نورٌ من الله يجلو كُلَّ مظلِمةٍ
إذا استَنَرْنَا بهِ زالتْ غَوَاشِيهَا
رُوحٌ من الله إن مسَّتْ هياكِلَنَا
رَقَتْ وطَارَتْ إلى أَعْلَى مَرامِيهَا
فيه الشفاءُ لنَا منْ كُلِّ مُعْضِلَةٍ
خيرُ الدَّسَاتِيرِ إنْ رُمْنَا أَعَالِيهَا

 

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، جعل ليلةَ القدرِ سيدةَ اللَّيالي وأكْرَمَهَا، وأنزل فيها الآيات البينات هداية للعالمين وذكراً للمتقين وزاداً للمستبصرين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، خير العابدين الذاكرين القائمين بأمر الله رب العالمين.


أما بعد:

فإن ليلةَ القدرِ منحةُ الملكِ العلَّامِ لأُمة الإسلام، تتجلى فيها كرائم الهبات وأجزل المثوبات من رب الأرض والسماوات، وقد جُمِعَ الزمان بأجمل ما حوى من النور ودرر الفضل وأوسمة التميز واختصر مناقب الأولين والآخرين في ليلةٍ باركها المولى، ويشهدُهَا الملأُ الأعلى، فأكْرِمْ بها من ليلةٍ فاقتْ في ذُرَاهَا الأعوام واكتسى أديم الأرض طهراً بالملائك الكرام.


إنها ليلة القدر.. سيدةُ الليالي وطيِّبَةُ الذِّكْرِ، ترفلُ في كل عامٍ بمشهدها الآثر وعطائها الكوثري الزاخر، من أدركها بعمله وعبادته أدركتُهُ عند ربها بمنح المثوبة والسلام. [وسميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر؛ أي شرف ومنزلة. قال الزهري وغيره. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا عظيماً وثواباً جزِيلاً. وقال أبو بكر الورَّاق: سُميت بذلك لأن من لم يكن له قدرٌ ولا خطرٌ يصير في هذه الليلة ذا قدرٍ إذا أحياها. وقيل: سميت بذلك لأن الله أنزل فيها كتابا ذا قدرٍ على رسول ذي قدرٍ على أمةٍ ذات قدرٍ. وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوي قدر وخطر. وقيل: لأن اللّه تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة، وقال سهل: سميت بذلك لأن اللّه تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين] (الإمام القرطبي / الجامع في أحكام القرآن ص130 ج 8 ط1 2003م بتحقيق: هشام سمير البخاري - دار عالم الكتب - الرياض).


والحمد لله ملء شآبيب القلوب على منحتها وبركاتها حمداً لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ، ففيها من البركات والهباتِ وجزيل المثوبات ما يَعُزُّ عن الوصف وتعجزُ به ألسنةُ الفصحاء، وذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.


فضائلُ ليلة القدرِ:

وهي ليلةٌ ذات فضائل خاصة لا يمكن أن تجتمع إلا فيها، فقد جَمعت مكارم العام كله بين أردانها وجمعت نسكَ الصالحين وتضرعات الداعين ونشاط العابدين وهِمَمَ الواصلين، [وهي ليلةٌ ما رُفعت فيها قصةُ محتاج إلى الله تعالى إلا نظرها، ولا وصلتْ إليه دعوةُ مظلومٍ إلا أنجزها ونصرها، ولا صعدت إليه أنفاسُ كربةٍ إلا أزال كربها وضرها، ولا انتهت إليه شكاية ملهوفٍ إلا أزال عنها الجرح وأتاها بالفرج وبشرها، ولا توجهت إليه قلوبٌ منكسرةٌ إلا أغاثها بلطفه وجبرها، فسبحان من اطلع في هذه الليلة الشريفة على الذنوب فغفرها وعلى العيوب فسترها وعلى حوائج السائلين فقضاها بفضله ويسرها] (شعيب بن سعد بن عبد الكافي المعروف بالحرفيش / الروض الفائق في المواعظ والرقائق ص78 بتحقيق ابراهيم محمد أمين - المكتبة التوفيقية – القاهرة).


ومن بركات فضائلها نقف على هذه المنح الغالية:

في ليلة القدر ابتداءُ نزول القرآن الكريم بادئ أمره على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر:1)، وقد وصفها الله تعالى بالبركة فقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴾(الدخان:3)، وهي من جملة ليالي شهر رمضان فقد قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (البقرة من الآية: 186)، [قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم]( الإمام ابن كثير/ تفسير القرآن العظيم 4/441 بتحقيق سامي بن محمد سلامة / ط2 /1999م - دار طيبة للنشر والتوزيع - القاهرة).


والقرآن الكريم دستور الأحياء ونبأ ما بعد اللقاء، وفيه شفاء الصدور والنفوس والأبدان وراحة الأرواح وزاد العالم والعابد والمهتدي، فيا لبشرى أمة الإسلام بليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم على سيد البشر صلى الله عليه وسلم.


ومن فضائلها أنها في الزمان تعدل ألف شهر كمن قام وعبد وذكر مولاه خلال هذه المدة الطويلة، بل إنها في الأجر أكثر وذلك فضل المولى على أمة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر:3)، وعن مجاهد بن جبر المكي رضي الله تعالى عنه: (أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذكر رجلًا من بني إسرائيلَ لبس السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ، قال: فعجب المسلمونَ من ذلك، قال: فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ:"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" التي لبس فيها ذلك الرجلُ السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ) (البيهقي في السنن الكبرى4/306 وقال: حديثٌ مرسل)، ومن تجليات المعنى ننقل عن ابن جريرٍ رحمه الله تعالى قوله: [العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير منَ العمل في غيرها ألف شهر، وبلغني عن مجاهد: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر] ( الإمام محمد بن جرير أبو جعفر الطبري / جامع البيان في تأويل القرآن 12/533 بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر ط1 مؤسسة الرسالة 2000م)، ومن بيان الخيرية لهذه الليلة في بركات زمانها أنها تزيد في الخير عن ألف شهر ما ذكره القرطبي رحمه الله تعالى في الجامع: [ وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، وقال أبو العالية: "ليلة القدر خير من ألف شهر" لا تكون فيه ليلة القدر، وقيل: عنى بألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء ؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [البقرة: 96] يعني جميع الدهر، وقيل: إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد اللّه ألف شهر، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فجعل اللّه تعالى لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا يعبدونها. وقال أبو بكر الوراق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر؛ فجعل اللّه تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما، وقال ابن مسعود: إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل اللّه ألف شهر؛ فعجب المسلمون من ذلك؛ فنزلت ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾ [القدر: 1] الآية. ﴿ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل اللّه. ونحوه عن ابن عباس ... وقال عليّ وعروة: ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل فقال "عبدوا اللّه ثمانين سنة لم يعصوا طرفة عين" ؛ فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا اللّه طرفة عينٍ فقد أنزل اللّه عليك خيراً من ذلك ثم قرأ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1] فسُرَّ بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعتُ من أثق به يقول: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أُري أعمار الأمم قبله، فكأنَّهُ تقاصَرَ أَعْمَارَ أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر؛ فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر، وجعلها خيراً من ألف شهر ] (الإمام القرطبي / الجامع في أحكام القرآن ص131: 132 ج 8 ط1 2003م بتحقيق: هشام سمير البخاري - دار عالم الكتب - الرياض).


ومن فضائل ليلة القدر أنَّ الملائكة تتنزل بأعدادٍ لا يحدها الحصرُ ولا التَّخيُّلُ، قال الله تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ (القدر:4)، تهبطُ من كل سماءٍ ومن سدرة المنتهى ؛ ومسكن جبريل على وسطها فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر فذلك قوله تعالى: "تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ" أي جبريل عليه السلام... فيسلمون على كل امرئٍ مسلمٍ، وعن أنس قال: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر اللّه تعالى" ] (الجامع / القرطبي ص 133"بانتقاء").


ومن فضائل ليلة القدر أن السلام يعمها من زيغ الشياطين ولا يلقى المؤمنون فيها إلا المسرة والسلام [ قال الضحاك: لا يقدر اللّه في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة وقيل: أي هي سلام ؛ أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة. وكذا قال مجاهد: هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى. وروي مرفوعا. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر؛ يمرون على كل مؤمن، ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن. وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها. وقال قتادة: ﴿ سَلَامٌ هِيَ ﴾ [القدر: 5] خير هي.﴿ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ[القدر: 5] أي إلى مطلع الفجر ] ( الجامع لأحكام القرآن 134 "سابق").

 

تحريها وانتظارها:

ومن أعظم المناشط التعبدية في رمضان تحري ليلة القدر والتماسها في زمانها المرتقب وعلى خير حال فإن ليلة القدر لم تدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً إلا وهو معتكف للتعبد والإخبات في مسجده المبارك، وفي ذلك قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في العشر الأواخر- يعني ليلة القدر - فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي) (صحيح مسلم 1156 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)، قال الإمام البغوي: [ وفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها ] ( الإمام البغوي / معالم التنزيل ص 490 ج4 ط1 1997م بتحقيق محمد عبد الله النمر وآخرين – دار طيبة للنشر والتوزيع).


ومع بداية العشر الأواخر تبدأ رحلة البحث الدؤوب عن هذه الدرة الغالية من الأجور والثواب، فإذا مر منها ثلاثة وأدركه الكسل أو الإعياء فعليه أن يستعين بالله في السبع البواقي من رمضان وخصوصاً في الليالي الوترية منها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تَحَرَّوْا ليلة القدرِ في الوِتْرِ من العشرِ الأواخرِ من رمضانَ) (صحيح البخاري 2017)، وتأكيداً لذلك فقد ذكر ابن رجب في اللطائف قال: (كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقال بعضهم: كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها فقال بعضهم:ليلة إحدى وعشرين وقال بعضهم:ليلة ثلاث وعشرين وقال بعضهم:ليلة سبع وعشرين فقال عمر رضي الله عنه: يا ابن عباس تكلم فقال الله أعلم قال عمر: قد نعلم أن الله يعلم وإنما نسألك عن علمك فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سماوات فاستوى عليهن وخلق الأرض سبعا وجعل عدة الأيام سبعا ورمي الجمار سبعاً وخلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقال عمر:خلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع هذا أمر ما فهمته...)ابن رجب فيلطائف المعارف 364 وقال: إسناده صحيحٌ).


وعلى سبيل التحديد فقد ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن كانَ متحرِّيَها فليَتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرينَ وقالَ تحرَّوها ليلةَ سَبعٍ وعشرينَ يعني ليلةَ القدرِ) (أحمد شاكر في مسند أحمد 7/21 وقال: إسناده صحيح)، وفي الحديث أيضاً: (قلتُ لأبيِّ بنِ كعبٍ إنَّ أخاكَ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ يقولُ من يقُمِ الحولَ يُصِب ليلةَ القدرِ فقالَ يغفرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرَّحمنِ لقد علِمَ أنَّها في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرينَ ولكنَّهُ أرادَ أن لا يتَّكِلَ النَّاسُ ثمَّ حلَفَ لا يستثني أنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين قالَ قلتُ لهُ بأيِّ شيءٍ تقولُ ذلكَ يا أبا المنذرِ قالَ بالآيةِ الَّتي أخبرنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أو بالعلامةِ أنَّ الشَّمسَ تطلعُ يومَئذٍ لا شعاعَ لها) (الألباني في صحيح الترمذي 3351 عن أبي بن كعبٍ رضي الله تعالى عنه وقال: حسنٌ صحيحٌ).


وقد تُرفع ليلة القدر ويضيع الثواب والأجر لشدة التنابذ والتلاحي والشقاق بين المسلمين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (اعتكَف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَشْرَ الأوسطَ مِن رمضانَ وهو يلتمس ليلةَ القدرِ ثمَّ أمَر بالبناءِ فنُقِض ثمَّ أُبِينَت له في العَشْرِ الأواخرِ فأمَر به فأُعيد فخرَج إلينا فقال: "إنَّها أُبينَت لي ليلةُ القدرِ وإنِّي خرَجْتُ لأُبينَها لكم فتلاحى رجلانِ فنُسِّيتُها فالتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ" قُلْتُ: يا أبا سعيدٍ إنَّكم أعلمُ بالعددِ منَّا فأيُّ ليلةٍ التَّاسعةُ والسَّابعةُ والخامسةُ قال: إذا كان ليلةُ واحدٍ وعشرينَ ثمَّ دَعْ ليلةً ثمَّ الَّتي تليها هي السَّابعةُ ثمَّ دَعْ ليلةً والَّتي تليها هي الخامسةُ قال الجُريريُّ: وحدَّثني أبو العلاءِ عن مُطرِّفٍ أنَّه سمِع معاويةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والثَّالثةِ) (صحيح ابن حبان 3687).


وقد حدد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أماراتها حتى نعرفها، فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ليلةُ القَدرِ في العشر البواقي، من قامهنَّ ابتغاءَ حِسبَتِهنَّ فإن اللهَ تبارك وتعالى يغفِرُ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه وما تأخَّر، وهي ليلةُ وترٍ ؛ تسعٌ أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة، وقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ أمارة ليلةِ القدر أنها صافيةٌ بلجةٌ كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ضاحيةً لا بَرْدَ فيها ولا حَرَّ، ولا يحلُّ لكوكبٍ "أن" يُرمى به فيها حتى يصبِحَ، وإن أمارتَها أن الشمس صبيحتَها تخرج مستويةً ليس لها شعاعٌ مثل القمَرِ البَدرِ، لا يحِلُّ للشيطانِ أن يخرُجَ معها يومئذٍ) (الهيثمي في مجمع الزوائد 3/178 وقال: رجاله ثقات.


وإذا رزق المؤمن منحة ليلة القدر وأدركها فدعاؤه الذي يلهج به على الدوام هو ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن علمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدْرِ، ما أقولُ فيها ؟ قال قولي: اللهمَّ إنَّك عفوٌّ كريمٌ تحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عنِّي) (سنن الترمذي 3513 وقال: حسنٌ صحيحٌ).


وأخيراً:

إننا لفي خير عميمٍ وكرمٍ إلهيٍّ عظيم لا يخطر بالبال ولا يدور بالخيال، والحمد لله على أن أطال الأعمار في كل عامٍ ليشهد القائمون نفحات ليلة القدر وهي من عجائب الأجور وكرائم الثواب.


إنه من مراسيم الختام لشهر الصيام قبل أن تغرب شمسه وتنتهي أماناته، فأحسنوا الوداع حتى تفوزوا بالفضل وتكونوا كمن أدى أمانة رمضان خير قيام:

لليلة القدر عند الله تفضيلُ
وفي فضلها قد جاء تنزيلُ
فَجُدْ فيها على خيرٍ تنالُ به
أجْراً فلِلْخَيرِ عند الله تفضيلُ
واحرصْ على فِعْلِ أعمالٍ تُسَرُّ بها
يوم المعادِ ولا يغرركَ تأْمِيلُ
وَتُبْ إلى الله واحذرْ منْ عقُوبتِهِ
عن كلِّ ما فيه توبيخٌ وتنكيلُ
ولا تغرنَّكَ الدُّنْيا وزُخْرُفُها
فكلُّ شئٍ سِوى التَّقْوى أَبَاطيلُ

 

ونسأل الله تعالى أن يبلغنا ليلة القدر ويمنحنا أجرها، كما نضرع إليه سبحانه أن يعفو عنا ويحفظنا بعينه التي لا تنام.

الخميس، 21 أبريل 2022

فتح مكه


فتح مكة 8 هـ

كان من بنود صلح الحديبية أن من أراد الدخول في حلف محمد - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل فيه ، ومن أراد الدخول في حلف قريش وعهدهم دخل فيه ، فدخلت "خزاعة " في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وكانت بين القبيلتين حروب وثارات ، فأراد " بنو بكر " أن يصيبوا من خزاعة ثأراً قديماً ، فأغاروا عليهم ليلاً وقتلوا جماعة منهم ، وأعانت قريش " بني بكر " بالسلاح والرجال ، فأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغدر قريش وحلفائها .

وعندما شعرت قريش بخطورة الأمر سارعت إلى إرسال أبي سفيان إلى المدينة لتفادي المشكلة وتجديد الصلح مع المسلمين ، ولكن دون جدوى ، فقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالتهيؤ والاستعداد ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، كما أمر بِكَتْم الأمر عن قريش حتى يباغتها في عقر دارها .
وفي يوم الأربعاء العاشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة غادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة في عشرة آلاف من أصحابة بعد أن استخلف عليها أبا ذر الغفاري رضي الله عنه .

ولما كان بـ " الجحفة " لقيه عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وكان قد خرج بأهله وعياله مهاجراً .
ثم واصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير وهو صائم والناس صيام ، حتى بلغ "الكُدَيْد"ـ وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد ـ فأفطر وأفطر الناس معه ، ثم سار حتى نزل بـ " مَرِّ الظهران ، وهناك ركب العباس بغلته البيضاء يبحث عن أحد يبلغ قريشاً لكي تطلب الأمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخل مكة .

وكان أبو سفيان قد خرج يتجسس الأخبار فلقيه العباس فنصحه بأن يأتي معه ليطلب له الأمان من رسول الله ، ولما دخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ....ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله " ، و العباس يقول له : " ويحك أسلم " ، فأسْلَم وشهد شهادة الحق ، فقال العباس ‏ :‏ " يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال ‏:‏ ‏نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن " .

ثم غادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "مرّ الظهران " متوجها إلى مكة ، وقبل أن يتحرك أمر العباسَ بأن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي ، حتى تمر به جنود الله فيراها ، فمرّت القبائل على أبي سفيان والعباس يخبره بها ، حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء ومعه المهاجرون والأنصار ، فقال أبو سفيان : سبحان الله ؟ ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، ثم أسرع إلى قومه صارخاً بأعلى صوته : " يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به " ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقالوا‏:‏ قاتلك الله وما تغني عنا دارك ‏؟‏ قال ‏:‏ ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد ، وتجمع سفهاء قريش وأوباشها مع عكرمة بن أبي جهل ، و صفوان بن أمية ، و سهيل بن عمرو لمقاتلة المسلمين .

وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار حتى انتهى إلى ذي طوى ، وهناك وزع الجيش ، فأمَر خالد بن الوليد ومن معه أن يدخل مكة من أسفلها ، وأمر الزبير بن العوام - وكان معه راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل مكة من أعلاها - من كداء - وأن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه ‏.‏

وأمر أبا عبيدة أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم‏- ‏.
فلقي خالد وأصحابه سفهاءَ قريش الذين عزموا على القتال ، فناوشوهم قليلاً ثم لم يلبثوا أن انهزموا ، وقُتِل منهم اثنا عشر رجلاً ، وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله على الصفا ، وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجون عند مسجد الفتح ، وضرب قبة هناك فلم يبرح حتى جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة من أعلاها من " كداء " ، وهو مطأطئ رأسه تواضعاً وخضوعا لله ، حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل .

ثم نهض رسول الله والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد ، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس ، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بالقوس ويقول : { جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } ( الاسراء 81 ) ، { جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } ( سـبأ 49) ، والأصنام تتساقط على وجوهها ، ثم طاف بالبيت ، وكان طوافه على راحلته ولم يكن محرما يومئذ ، فاقتصر على الطواف ، فلما أكمل طوافه ، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة فأمر بها ففتحت ، فلما دخلها رأى فيها الصور ورأى صورة إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام ، فقال ‏:‏ " ‏قاتلهم الله ، والله ما استقسما بها قط " ثم أمر بالصور فمحيت ، وصلى داخل الكعبة ، ودار في نواحي البيت وكبر الله ووحده .

ثم خرج - صلى الله عليه وسلم وقريش صفوفاً ينتظرون ما يصنع بهم ، فقال : يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه : { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } ( يوسف 92) ، اذهبوا فأنتم الطلقاء ، ثم أعاد مفتاح البيت إلى عثمان بن طلحة ، وأمر بلالاً أن يصعد فيؤذن .

وفي اليوم الثاني خطب - صلى الله عليه وسلم - خطبته المشهورة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ‏: ( يا أيها الناس : إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخَّص لقتال رسول الله ، فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما حلَّت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ) رواه البخاري ، وخشي الأنصار بعد الفتح أن يفضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإقامة بمكة فجمعهم وقال لهم : ( معاذ الله ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم ) رواه مسلم .

ثم بايع الرجال والنساء من أهل مكة على السمع والطاعة ، وأقام بها تسعة عشر يوماً يجدد معالم الإسلام ، ويرشد الناس إلى الهدى ، ويكسر الأصنام ، ثم قفل راجعاً إلى المدينة.

فكان يوم الفتح يوماً عظيماً أعز الله الإسلام وأهله ، ودحر الكفر وحزبه ، واستنقذ البيت العتيق والحرم الآمن من أيدي الكفار والمشركين ، وبعده دخل الناس في دين الله أفواجاً وأشرقت الأرض بنور التوحيد والهداية .
فتح مكة :ـ
بعد صلح الحديبية بعام اقدمت قريش على مساعدة بكر على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاستنجدت خزاعة بالرسول صلى الله عليه وسلم لما بينها و بينه من عهد ، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم الفرصة مواتية لدخول مكة ، خاصة وانقريشا هي التي نقضت العهد ، ففرح الممسلمون لدى سماعهم مكة ، فلطالما انتظر المسلمون العودة الى مكة ، وتدافع المسلمون بجيش عظيم لمكة جعل الرسول صلى الله عليه وسلم على جناحه الايمن خالدا وجنوده ، وكان رجال من قريش شهروا عليه السلاح فرد عليهم بالمثل فقتل منهم قرابة الثلاثين ، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم غضب وقال : الم انهه عن القتال ؟ . فقالوا : انه قوتل فقاتل . فقال الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء الله خير … لا تغزى قريش بعد هذا يوم الى يوم القيامة .
دخل خالد مكة ، وبينما هو يطوفها تذكر ذلك اليوم في الجاهلية حينما تداعت الكعبة وتهدمت جدرانها والناس خائفين يريدون ترميمها ولا يجرؤون فتناول خالد معولا وانسل من بين الجموع و ضرب الضربة الاولى وهو يقول : اللهم لا نريد الا الخير . فاذا كانهذا الامر جريئا فانه لما توجه الرسول صلى الله عليه وسلم لهدم العزى كان موقفه اجرئ ، لان مهمة هدم معبود لا يستطيع عملها شخص عادي ، لذلك اختير لهذا العمل خالد ، ولما انتهى خالد الى العزى هدمها … فخرجت من تحتها امراة سوداء عريانة ، فضربها بسيفه وشقها نصفين ، ففرح الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا كثيرا .

 

فتح مكه

 

أراد الله أن يتم نوره ويعلي كلمته فجاء فتح مكة، وكان السبب في التعجيل بفتح مكة أن قريشا نقضت ما تعهدت به في صلح الحديبية مع رسول الله، فنصرت قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية للرسول, وكان الفتح أعظم انتصارات المسلمين وإيذانا بغروب شمس الكفر والشرك في شبه الجزيرة العربية فكيف تم الفتح, وكيف كان استعداد المسلمين لفتح مكة؟

المكان: مكة المكرمة

الموضوع: الرسول r يقود المسلمين لفتح مكة إيذانًا بسقوط دولة الكفر.

الأحداث:

إن الفتح المبين الذين أعز الله به جند الإسلام ورد لهم اعتبارهم ورفع به كرامتهم ورءوسهم حتى بلغت عنان السماء فتوجتها، إنه الفتح الأعظم الذي قصم به الله U دولة الكفر وأزال به شعائر الشرك ومعالم الطغيان، وأشرقت وجه الأرض مرة أخرى بالتوحيد والتحميد، إنه الفتح العظيم ليس للأرض فقط إنما هو فتح القلوب لدين الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجًا..

ولم يكن أشد الناس تفاؤلاً واستبشارًا بأن هؤلاء النفر المستضعفين بقيادة الرسول r الذين خرجوا مستخفين من عدوهم فارين بدينهم تاركين ديارهم وأهليهم والدنيا بأسرها وراء ظهورهم خائفين مترقبين, هم هم الذين يعودون بعد ثماني سنوات بجيش كبير وإيمان أكبر لفتح البلد التي أخرجوا منها بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، لم يكن أكثر الناس تفاؤلاً يظن أن الرسول r سيعيد بناء الأمة ويكوّن دولة من مجموعة من الفارين المهاجرين بدينهم تستطيع أن تفتح معقل الكفر وعاصمة الشرك وبؤرة الإرهاب الوثني للمسلمين طيلة عشرين سنة, ولعل ما جرى يكون عبرة وعظة لأصحاب المناظير السوداء الذين لا يرون أبدًا وجه الشمس في أي عمل إسلامي ودعوي ويحكمون عليه بالفشل لا لشيء إلا لانتعاش الباطل في عيونهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

سبب الغزوة:

لم يكن يدور في خلد عمر بن الخطاب الفوائد الجمة التي سيجنيها المسلمون والدعوة الإسلامية من صلح الحديبية, لذلك فلقد حزن منها في بادئ الأمر واعترض وتسخط حتى نزل القرآن يصف الصلح بأنه فتح مبين وحقًّا كان هو؛ لأنه كان السبب المباشر لفتح مكة! لأن من بنوده أن من أحب أن يدخل في حلف الرسول دخل ومن أراد أن يدخل في حلف مكة وقريش دخل فدخلت خزاعة في حلف الرسول، ودخلت بنو بكر في حلف قريش وكان بين خزاعة وبني بكر ثارات قديمة أيام الجاهلية، وفي شهر شعبان 8هـ اعتدت بنو بكر على خزاعة وأعانت قريش بني بكر على ذلك بالسلاح والرجال، وعد ذلك خرقًا لبنود المعاهدة والصلح؛ لأن الاعتداء على الحليف بمثابة اعتداء على من يحالفه, وهذا الاعتداء يعتبر مباشرة على الرسول والمسلمين, خاصة أن الإسلام قد فشا وانتشر في خزاعة وقتل في هذا الاعتداء رجال من المسلمين، ولما وصلت الأخبار بذلك للرسول قرر رد العدوان وأخذ القرار الكبير بالسير لفتح مكة، وكان رسول الله r قبل أن يأتيه الخبر قد تجهز للجهاد ولا أحد يعلم وجهته حتى أزواجه أمهات المؤمنين.

سفير قريش:

كان أبو سفيان بن حرب من أعقل أهل قريش وأشدهم ذكاء أدرك أن ما فعلته بنو بكر والمتهورون من شباب قريش يعد بمثابة نقض للميثاق وبنود الصلح فخاف من غائلة ذلك وعاقبته فخرج مسرعًا للرسول يطلب منه تجديد الصلح وقد أخبرهم الرسول r بمجيئه، فدخل أبو سفيان المدينة ونزل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة فأراد أن يجلس على فراش الرسول فأبت أم حبيبة وقالت له: "أنت رجل مشرك نجس"، وحاول أبو سفيان تجديد الصلح، ولكن الرسول r لم يرد عليه شيئًا فحاول الاستشفاع بأصحاب النبي فلم يستطع أحد منهم أن يجير على رسول الله, فقام أبو سفيان فآجر نفسه بين الناس عملاً بنصيحة علي بن أبي طالب, فلم يقم أحد لإجارته وتيقن العزم على فتح مكة.

الاستعداد للغزوة:

أمر الرسول r الناس بالتجهيز للغزو وصرّح لهم بما يريده، ولكنه وللمفاجأة دعا ربه جل وعلا أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى يباغتوها في ديارهم، وزيادة في الإخفاء والتمويه بعث الرسول بسرية في 1 رمضان 8هـ في اتجاه آخر ليظن الناس أنه متوجه لها.

حادثة حاطب بن أبي بلتعة:

أثناء الاستعداء للغزوة كتب حاطب بن أبي بلتعة وكان من المهاجرين الأولين ومن أهل بدر في لحظة من لحظات الضعف الإنساني التي تؤكد على بشرية الصحابة وعدم عصمتهم برسالة لأهل مكة يخبرهم بالأمر وذلك مع امرأة مستأجرة لذلك، فأطلع جبريل الرسول r على ما حدث استجابة لدعوة الرسول بأخذ العيون عن قريش، فأرسل الرسول عليًّا والمقداد فأحضرا المرأة واستخرجوا الكتاب منها، ثم دار هذا الحوار بين حاطب والرسول، فقال له الرسول r: "ما هذا يا حاطب؟" فقال حاطب: "لا تعجل عليّ يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت, ولكني كنت امرأ ملصقًا في قريش لست من أنفسهم ولي فيهم أهل وعشيرة، وولد وليس فيهم قرابة يحمونهم، وكل من معك لهم قرابات يحمونهم فأحببت إذ فاقني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي"، فقال عمر بن الخطاب: "دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق", فقال الرسول: "إنه قد شهد بدرًا وما يدريك يا عمر, لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؛ فبكى عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

خروج الجيش الفاتح:

بعد أن أتم الرسول r إعداد الجيش وجاءته القبائل العربية المسلمة من كل حدب وصوب خرج الجيش الفاتح في 10 رمضان 8هـ من المدينة إلى مكة واستخلف الرسول في المدينة أبا رهم الغفاري الملقب بالمنحور، وفي الجحفة لقيه العباس بن عبد المطلب مهاجرًا بعياله وماله فكان بذلك آخر المهاجرين كما إن أبا سلمة هو أول المهاجرين.

كانت هذه المسيرة في رمضان؛ لذلك فإن الرسول r قد أمر الجيش بالفطر ليكون أقوى لهم على القتال، ثم أمر كل جندي في الجيش أن يوقد نارًا ليلقوا الرعب في قلب قريش فأوقدوا عشرة آلاف نار، ووصلوا حتى منطقة مر الظهران وقريش لا تعلم شيئًا عنهم.

كان العباس أرحم الناس بأهل قريش فخرج ليلاً يلتمس بعض أهل قريش يخبرهم بالجيش حتى يخرجوا للرسول يستأمنون عنده، وبالفعل يقابل العباس أبا سفيان ويخبره بقدوم الجيش فدخل أبو سفيان مع العباس إلى معسكر المسلمين ليطلب الأمان من الرسول ويراه عمر بن الخطاب فيتربص وراءه ليقتله ولكن العباس يجيره عند رسول الله فيكف عمر عنه، ويقف أبو سفيان بين يدي رسول الله r ويعرض عليه الرسول الإسلام فيتلكأ أبو سفيان ويتردد ثم يشهد شهادة الحق، فقال العباس: "يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا"، قال الرسول r: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".

أثناء تحرك الجيش أمر الرسول r بشن حرب نفسية على أبي سفيان ليحدث له هزيمة نفسية ورعب ينقله أبو سفيان لأهل قريش فتخور قوتهم وتسقط مقاومتهم للمسلمين، وهذه الهزيمة النفسية حدثت لأبي سفيان عندما حبسه العباس عند مضيق وادي مر الظهران ليرى مرور كتائب الجيش الإسلامي فأذهله ما رآه من كثافة الجيش وقوته، ودخله الرعب الشديد، فقال للعباس: "والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا", فقال العباس: "يا أبا سفيان إنها النبوة", فقال أبو سفيان: "فنعم إذن".

كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة المشهور بحماسته وغيرته الشديدة، فلما رأى أبا سفيان قال له: "اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة, اليوم أذل الله قريشًا"، فاشتكى أبو سفيان للنبي ما قال سعد, فنزع الرسول r اللواء من سعد وأعطاه لولده قيس.

دخول مكة:

دخل أبو سفيان مكة مسرعًا وصرخ بأعلى صوته: "يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن", فسبته زوجته هند، ولكن الناس عرفوا الجد من كلام أبي سفيان فهرعوا مسرعين لبيوتهم والمسجد الحرام.

رفض بعض المتهورين من شباب قريش وسفهائها إلقاء السلاح وأصروا على مقاومة الجيش المسلم واجتمعوا عند منطقة الخندمة لقتال المسلمين وجعلوا عليهم عكرمة بن أبي جهل.

وزع الرسول جيشه على قسمين الميمنة وفيها قبائل أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وغيرهم، وجعل عليهم خالد بن الوليد، وأمرهم أن يدخلوا مكة من أسفلها على أن يتولوا القضاء على أي جيب من جيوب المقاومة، والميسرة وعليها الزبير بن العوام ومعه راية الرسول ويدخل مكة من أعلاها، والمشاة وعليهم أبو عبيدة بن الجراح.

دخل الرسول r مكة على راحلته وهو يضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل المسجد الحرام، ومن حوله المهاجرون والأنصار فاستقبل الحجر الأسود، وطاف بالبيت وفي يده قوس يطغى به الأصنام الموجودة بالحرم ليحطمها وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا"، ودخل الكعبة وطهرها مما كان بها من الصور ثم صلى فيها ركعتين.

العفو النبوي:

بعد أن صلى الرسول r داخل الكعبة فتح بابها ثم أخذ بعضادتي الباب وخطب فيهم ثم قال: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟" قالوا: "خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم"، قال: "فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم, اذهبوا فأنتم الطلقاء".

لم يمنع العفو العام الذي أصدره الرسول r قراره بإهدار دماء رجال من أكابر المجرمين الذين كانت عداوتهم وشرورهم أكبر من غيرهم منهم عكرمة بن أبي جهل وعبد العزى بن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهم, بلغ عددهم تسعة نفر ستة رجال وثلاثة نساء، ولكن الرسول عفا عن بعضهم.

أثناء طواف النبي r بالكعبة جاء رجل من قريش اسمه فضالة بن عمير وكان جريئًا وأراد أن يغتال النبي وهو في الطواف، ولكن الله U أطلع رسوله على الأمر, فنادى الرسول على فضالة وأخبره بما في نفسه فأسلم فضالة من فوره.

خاف الأنصار من بقاء الرسول r بمكة وقالوا: "أترون رسول الله إذا فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها", فلما علم الرسول قال لهم: "معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم".

كان هذا الفتح من أعظم انتصارات المسلمين وبشارة عظمى بقيام دولة الإسلام في أقوى صورها وإيذانًا بغروب شمس الكفر والشرك في شبه الجزيرة العربية والعالم من بعدها