الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

محاضرة: (ضبط النفس)

 

محاضرة: (ضبط النفس)

 

.............................................................................

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً كثيرا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

احمد الله واثني عليه، وأشكره جل وعلا أن يسر لهذا اللقاء، وأسأله أن يبارك فيه وأن يتمه على خير وبركة، وأشكركم أيها الأخوة على مجيئكم وحضوركم وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتكم يوم القيامة.

موضوعنا كما قرأتم بعنوان ضبط النفس، وهذا الموضوع من المواضوعات المهمة جدا، وبخاصة في هذه الأزمان، خاصة في زمن الفتن الذي تكاثرت على المسلمين.

ولو تأملنا في موضوع ضبط النفس لوجدنا أن القلة من الناس من يتقن هذا الأمر ومن يوفق له، وموضوع ضبط النفس ليس خاصا بفئة دون فئة، بل هو للرجال وللنساء، للصغار وللكبار، للعلماء والدعاة وطلاب العلم وللعامة.

وإنه بسبب عدم ضبط النفس، وبسبب أنفاذ الغيظ والانسياق وراء الغضب والتصرفات المفاجئة، كم حدثت من محن وفتن سواء على مستوى الخاصة أو العامة.

فلو جئنا للخاصة مثلا:

لوجدنا عددا من جرائم القتل أكثرها كان بسبب عد ضبط النفس.

روي أن رجلا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقود رجلا فقال:

يا رسول الله إنه قتل أبني.

فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم): أقتلته؟

قال نعم. قال ولما؟ قال: كنت أحتطب أنا وإياه، فسبني وشتمني فأهويت بالفأس على رأسه فقتلته. أو كما ورد في الحديث.

وكثير من جرائم القتل تقع بسبب نزوة شيطان، وبسبب غضب لا يكتم فيه الإنسان غيظه، ولا يضبط نفسه، فيع ما يقع، وعندما تقرءون كثيرا من البيانات التي تتلى عند القِصاص تجدون أن نسبة عظمى من أولئك كانت بسبب شجار أو خصام توصل في النهاية إلي القتل والقتال.

لو نظرنا إلى داخل البيوت وتتبعنا حالة واحدة وهي حالة الطلاق، ولو سألنا القضاة عن هذا الأمر، وعن أكثر أسباب وقوع الطلاق، لقالوا إنه الغضب، أو نزوة لم بضبط الإنسان فيها نفسه فوقع الطلاق.

إذا هذه المسألة وهي حالات الطلاق أكثرها يقع لعدم ضبط الخصمين وبالذات عدم ضبط الزوج تصرفاته فيقع الطلاق والعياذ بالله.

فأقول إن كثيرا من مسائل الطلاق تقع بسبب عدم ضبط النفس، وكثير من البيوت أصابها الخراب والدمار بسبب تصرفات هوجاء كانت تحتاج إلى مسألة واحدة وهي قضية ضبط النفس.

أما على المستوى العام:

على مستوى الدعاة، وعلى مستوى طلاب العلم، فلو تأملنا في الواقع المرير لكثير من الدعاة وبخاصة في بعض البلاد الإسلامية، لوجدنا أن من أعظم أسبابها أن الأعداء قد استفزوا أولئك الدعاة الصالحين، فوقع كثير منهم في الاستفزاز، ولم يتمكن من ضبط نفسه، ثم انجرت الويلات تبعا لذلك كالسبحة إذا انقطعت تتوالى حباتها الواحدة تلو الأخرى.

فموضوع ضبط النفس نحن في أمس الحاجة إليه سواء على المستوى الخاص في داخل بيوتنا ومع أقاربنا ومع أهلينا ومع جيراننا ومع أصحابنا، وكذلك نحن بحاجة إليه على المستوى الدعوة إلى الله جل وعلا.

نحن بأمس الحاجة إليه وبخاصة في هذه الأيام التي نلحظ فيها كثرة الفتن، وكثرة مراحل الاستدراج، وينصب الفخ لكثير من الدعاة، فقد يقع ، وقد يقعون في ما ينسب لهم من أعدائهم، فمن أجل بيان هذا الأمر وخطورة هذا الأمر نقف هذه الليلة بأذن الله مع هذا الموضوع المهم، وما أشرت إليه من حيث الأهمية ما هو لا نزرا يسيرا يبين أهمية هذا الموضوع.

 

* ضبط النفس هو بمعنى كظم الغيظ، ولذلك أثنى الله جل وعلى على الكاظمين الغيظ فقال جل من قائل: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  *  للَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، فالمتقين هنا من صفاتهم أنهم يكظمون الغيظ، فكظم الغيظ وهو أحد معاني ضبط النفس، جنة عرضها السماوات والأرض، ولو لم يأتنا إلا هذه الآية لكفانا بها والله فضلا وشرفا.

قال القرطبي في معناه:

كظم الغيظ رده في الجوف.

يقال كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه.

وكظمت السقاء أي ملأته وسددت عليه.

والكظامة ما يسد به مجرى الماء.

ومنه الكظام للسير الذي يربط به فم الذق والقربة.

وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه.

وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه كظم، وكظم البعير والناقة إذا لم يجترا.

فكظم الغيظ هو منعه من أن يقع، فنستطيع أن نعرف ضبط النفس بالكلمات التالية:

فضبط النفس هو منعها من التصرف خطأ في المواقف الطارئة والمفاجئة التي تتطلب قدرا من الشجاعة والحكمة وحسن التصرف.

وقد أوضحت لكم أن بين كظم الغيظ وبين ضبط النفس ترادف وتشابها، فالذي يضبط نفسه هو الذي يكظم غيظه، وهو الذي يحبس غضبه، وقد ورد أحاديث كثيرة عن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيها بيان فضل كظم الغيظ وبالتالي ضبط النفس وأقرأ عليكم بعضها:

قال (صلى الله عليه وسلم): (ما من جرعة أحب إلى الله  من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا).

وقال (صلى الله عليه وسلم): (من كظم غيظا وهو قادر أن ينفذه ملء الله جوفه أمنا وإيمانا).

وقال (صلى الله عليه وسلم): (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء).

وعنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله جل وعلا).

وكما أسلفت أن الأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا.

 

* مظاهر عدم ضبط النفس:

كيف نعرف أن هذا الإنسان لم يضبط نفسه؟ هناك مظاهر عدة ودلالات أذكر هنا أبرزها:

- سرعة الغضب والانفعال، والتأثر.

حدوث أفعال وردود أفعال لم تدرس عواقبها، نسمع أحيانا أن هناك تصرفات تحدث كرد فعل لم تدرس عواقبها، وهذه هي التي قلت قبل قليل أنها تجر علينا الويلات.

مثلا قد يؤذى أحد الدعاة، ويطلب منا في هذا المقام أن ننصر أخانا نصرا مؤزرا، (أنصر أخاك ظالما و مظلوما)، لكن ما الذي يحدث بسبب الحماس والانفعال، وبسبب عدم ضبط النفس ؟

قد يتصرف البعض تصرفات تجر إلى ويلات، وتجر إلى مصائب، وتجر إلى أمور لا تحمد عقباها، وهذا أيها الأخوة يحتاج منا إلى نظر وإلى تبصر.

وحينما أشير إلى ذلك لا لكونها واقعة ولكنني أتحدث عنها لكي لا تقع، لأن معالجة المرض قبل وقوعه أولى من معالجته بعد وقوعه.

لنأخذ مثلا واحدا: عند مسجد من المساجد جاء رجال الأمن لمنع بيع أشرطة التسجيل عند المسجد، وهؤلاء الرجال جاءوا ينفذون أمرا قد صدر لهم، فبسبب الانفعال والحماس تحمس بعض الحضور ووقع احتكاك بين رجال الأمن وبين هؤلاء الشباب الذين لا نشك في حماسهم وخيرهم وصدقهم، ولكن ماذا تكون النتيجة؟

هل هذا التصرف منهم قد منعَ اتخاذ مثل هذه القرارات ؟ لا بل زاد الأمر سوء وجر على هؤلاء الشباب أمورا نحن في غنى عنها.

هناك وسائل مشروعة نسلكها لإلغاء مثل هذه القرارات، بالكتابة للعلماء، بالاتصال بالعلماء، بالكتابة للمسئولين، والوسائل متعددة ليس المقام لحصرها.

ولكن أن نستفز بمثل هذه الأمور، هذا ما يريده الأعداء، وهذا ما يتمناه الأعداء، وهذا ما يسعى إليه الأعداء، فردود الأفعال غير المدروسة، يكون لها من الآثار كما وقع في بلاد كثيرة ما لا يخفى على أمثالكم.

- إطلاق اللسان.

بالسب أو الشتم أو نحو ذلك كما سمعتم قبل قليل في الحديث الذي رواه البخاري لما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) للرجل أقتلته، قال نعم، قال ولما؟ قال لأنه سبني وشتمني، فلم يتمكن هذا من ضبط نفسه فأهوى عليه بالفأس فقتله.

كم من البيوت خربت لأن الزوج لا يتمكن من ضبط لسانه فيقع الطلاق، تتصرف المرأة تصرفا خاطىء وقد تثير زوجها بانفعال أو غيره، فأقرب ما يتجه إليه الزوج هو أن يطلقَ لسانه بالطلاق، وأمر الطلاق ليس بالأمر ليسير ولا بالأمر الهين، وكم جاء للعلماء وجاء للمشايخ من يقول إنني كنت بانفعال، أنني كنت مغضبا وطلقت وأنا لا أشعر.

نعم المرأة تخطئ، والمرأة ضعيفة، لكن كيف نقابل هذا الأمر؟

هل نقابله بالضرب، أو بإطلاق اللسان، لا.

اسمعوا إلى هذه القصة لنعرف كيف نقابل مثل هذه الأحداث التي تقع في البيوت:

كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند عائشة في يوم من الأيام، فأرسلت إحدى زوجاته رضي الله عنهن جميعا طعاما للرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أصلحته بصحفة مع جارية لها.

فلما جاءت بالطعام والرسول عند عائشة، أخذت الغيرة عائشة رضي الله عنها، تأتي بطعام واليوم يومها والرسول عندها.

الغيرة شديدة بالنسبة للنساء، فقامت عائشة وأخذت الصحفة وكسرتها وانتثر الطعام، فقام (صلى الله عليه وسلم) يجمع ما انتثر من الطعام ويقول:

غارت أمكم، غارت أمكم وهو يبتسم (صلى الله عليه وسلم)، وأخذ صحفة جديدة وأرسلها إلى أم المؤمنين بدل ما كسر. الله أكبر ما هذا الأسلوب.

هل نتعامل مع زوجاتنا بهذا الأسلوب ؟

هل غضب (صلى الله عليه وسلم) وضربها ؟

هل غضب (صلى الله عليه وسلم) وتكلم عليها ؟

هل غضب أقل شيء وخرج من عندها ؟

لم يفعل ذلكح (صلى الله عليه وسلم)، إنما قام هو يجمع  ما انتثر من الطعام ويقول غارت أمكم. ويعطي المرأة الأخرى صحفة بدل الصحفة التي انكسرت.

هذا هو خلق المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وهذا هو الخلق.

كم من المتحادثين وبسبب كلمة قالها أحدهم، فرد عليه الآخر حتى تصل أحيانا إلى أن يلعن الرجل أباه وأمه، (قيل كيف يا رسول الله يلعن الرجل أباه وأمه؟ قال يسب أب الرجل فيسب أباه ويسب أمه الرجل فيسب أمه). أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).

إن القلوب إذا تناثر ودها....... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر

فهذه بعض مظاهر عدم ضبط النفس.

 

وهنا يأتي أهم باب في هذا الموضوع، فأقول أدركنا من خلال ما ذكرت أهمية ضبط النفس، وضبط الأعصاب، وأن نتصرف التصرفات الحميدة التي نحسب نتائجها قبل أي تصرف.

كل منا يقول أتمنى ذلك، كل واحد يقول أتمنى أن اضبط نفسي ولكن لا أستطيع، كل منا يقول أريد ن اكتم غيظي ولكن لا أقدر.

فنقول لا، تقدر بأذن الله، تقدر إذا التزمت بأسباب سيأتي ذكر وبيانها:

يقول الشاعر:

وإذا غضبت فكن وقورا كاظما........للغيظ تبصر ما تقول وتسمع

فكفى به شرفا تصبر ساعة........... يرضى بها عنك الإله وترفع

ويقول عروة ابن الزبير:

لن يبلغ المجد أقوم وإن شرفوا........ حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام

ويُشتموا فترى الألوان مشرقة........ لا عفو ذل ولكن عفو إكرام

 

* الأسباب والدواعي المضادة لضبط النفس:

بعبارة أخرى ما هي العوامل التي تثير الإنسان؟ الحقيقة أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى كون الإنسان لا يضبط نفسه، وكون الإنسان قد يغضب، وكون الإنسان قد يثور، وكون الإنسان قد يستفز وهي أسباب عامة وخاصة، وأذكر هنا أهم تلك الأسباب:

- تحريش الشيطان.

ولا شك فالشيطان جاهز، فالشيطان ينزغ في مثل هذه المواقف لأنه يريد أن يُقع المرء في مثل هذه المهلكات من الاستعجال أو التصرفات التي لا تحمد عقباها.

- استفزاز المنافقين وأعداء الله.

وقد أشرت إلى ذلك، وهذا يكون بمثل الاستفزازات التي تسمعون عنها في أنحاء العالم الإسلامي من استفزازات الأنظمة، والأفراد سواء بالقول أو الفعل، فهناك استفزازات الآن تجري في الكثير من الدول وفي كثير من البلاد، يتولاها منافقون، ويتولاها علمانيون، وتتولها أنظمة معادية للإسلام لتوقع الدعاة في الفخ، لأن المستعجلين منهم قد لا يصبروا فيستعجلوا ويتحمسوا ولا يضبطوا نفسهم.

- الإهانات والضربات الموجه للمسلمين.

وحقيقة أن المسلمون يعيشون في وضع لا يحسدون عليه من الذل والمهانة، وهذا يحتاج إلى شيء من ضبط النفس، والتبصر بالعواقب، والنظر في مآلات الأمور، وعدم جعل هذه الأسباب العامة سببا لهذا الأمر.

ولو تأملنا كيف كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وكم مرة يقول الصحابة له (صلى الله عليه وسلم) أنقبل الدنية في ديننا، ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يوجههم بالصبر وبضبط النفس، وعدم التحمس والاستعجال.

- ارتفاع صوت الباطل وخفوت صوت الحق.

- تخاذل بعض القادرين على نصرة دين الله من قول كلمة الحق.

فهناك من القادرين من يستطيع أن يقول للظالم يا ظالم، من يستطيع أن ينصر الدعاة، من يستطيع أن يقف مع المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، ولكنه يسكت ويتخاذل، فما الذي يحدث عندها؟ يأتي بعض الشباب ويتحمسون ولا يستطيعون الصبر ولا التحمل فيتصرفون بعض التصرفات التي تكون نتائجها غير محمودة.

- إفشاء وتشجيع الفساد بجميع الوسائل.

وحمايته فهذا سبب من الأسباب التي قد تؤدي إلى عدم ضبط النفس، وإلى الاستعجال أو إلى التصرفات التي قد لا تحمد عواقبها.

- مضايقة الدعوة والدعاة، مع تشجيع الضد وحماية الضد.

- الأراجيف والإشاعات.

وخاصة أن البعض يتعجلون بتصديق هذه الإشاعات، وهذا مسألة يجب أن نأخذ منها بيانا.

أذكر مثلا: أنه منذ فترة قريبة أوقف بعض الدعاة، فما علم الناس إلا وإعلانات توزع في بعض الأماكن أنه ستكون هناك مسيرة من المسجد الفلاني إلى الإمارة، وبعد التتبع والاستقصاء واهتمام العلماء بهذه المسألة تبين أن طلاب العلم والدعاة ليسو هم من قام بهذا الأمر، وأن هناك أيدي مغرضة تريد الإيقاع بطلاب العلم، تريد الإيقاع بالشباب، وترديد مثل هذه التصرفات التي لا تحمد عقباها.

فهناك إشاعات وهناك تصرفات تكون مكتوبة أو غير مكتوبة يقصد بها إحداث فوضى، يقصد بها إحداث خلل، يقصد بها إيقاع الطيبين في الفخ، فلننتبه.

إذا الإشاعات والأراجيف وألاعيب بعض العابثين قد تكون سببا رئيسا في وقوع بعض الأمور التي لا تضاد ضبط النفس.

- الأحداث المتلاحقة في العالم الإسلامي.

نعم الأحداث التي تجري على المسلمين من التعذيب والأذى والامتهان كما في الصومال والبوسنة والهرسك وفلسطين وغيرها، يجعل بعض الناس قد لا يتحمل، وقد ينفجر، وقد يتصرف تصرفات غير محمودة العواقب.

- الطبائع الفردية.

فالناس يختلفون، فهناك من أعطاه الله سعة في الصدر، وتحملا وقدرة على ضبط النفس، وهناك آخرون سريعو الغضب، سريعو الثورة، فأي سبب يقع في بيته قد يطلق معه زوجته، قد يسيء إلى ابنه، وقد يتعدى هذا الأمر إلى ما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فبسبب طبيعته المتعجلة، وبسبب طبيعته الشخصية التي لا تتحمل قد يجني على المسلمين ما لا يحمد عقباه.

إذا هذه اختصار بعض الأسباب التي قد تؤدي إلى ما يضاد ضبط النفس.

 

* وسائل ضبط النفس:

 وسائل ضبط النفس كثيرة جدان وأذكر منها هنا ما يناسب المقام، فأقول مستعينا بالله:

- العلم حصن حصين.

نعم فالعلم حصن حصين يمنع من التصرفات الهوجاء، وإليكم الدليل: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ).

ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدوة، انظروا كيف كان يتصرف في الشدائد.

كيف كان (صلى الله عليه وسلم) في الملمات.

كيف كان إذا استفز ولطالما استفز (صلى الله عليه وسلم) ولم يقبل الاستفزاز.

ثم انظروا إلة أولئك الذين تحدث منهم ردود أفعال، وغضب ستجدون أن أقل نسبة في هذا هم العلماء.

فالعلم شرف، والعلم حصانة، والعلم مانع بإذن الله من الوقوع في مثل هذه الأمور:

ما الفضل إلا لأهل العلماء إنهمو ........... على الهدى لمن استهدى أدلاء

العلم أولا بعاقبة عدم كظم الغيظ، وبعاقبة كظم الغيظ أيضا، العلم بمائلات الأمور، العلم بفضل كظم الغيظ، بعض الأحاديث التي ذكرتها قبل قليل قد يكون عدد منا يسمعها لأول مرة، وقد يكون مضى من عمره ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة.

إذا عندما نتعلم، ومن العلم الذي نتعلمه فضل كظم الغيظ، هذا يكون مساعدا لنا، وقد سمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جُرعَة، نعم تجرّع كما يتجّرع البعير، فأنتم ترون البعير يتجرعها أولا ثم يعيدها مرة أخرها، فكذلك ضبط النفس وكظم الغيظ وكأن الإنسان يبلعها.

وقد ترون بعض العامة أحيانا حينما توجه له إهانة فيقول بلعتها، أي لن أظهرها ولم أتعدها، فكذلك في الأحاديث سمها رسول (صلى الله عليه وسلم) جرعة يتجرعها الإنسان.

فالعلم حصانة بإذن الله من الوقوع في الغضب أو آثاره.

- تحري الحكمة.

نعم أن نتحرى الحكمة: ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). واقرءوا سورة لقمان (ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)، فالوصايا التي أوصى بها ابنه تدل على عقل وعلى حكمة وعلى بعد نظر: ( وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).

والحكمة هي فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، فضبط النفس هو الحكمة، فهذا الذي نريده أن تفعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي وكما ينبغي.

فمن تحرى الحكمة هدي إليها: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، فإذا كنت تتحرى الحكمة في أفعالك، وفي تصرفاتك فأطمئن فستوفق إليها: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ).

- رجاحة العقل.

مما يمنع من التصرفات التي لا تحسب نتائجها رجاحة العقل والرزانة، ولذلك يقول الله جل وعلا: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (ليس الشديد بالصُرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب)، ومما ورد في أهمية العقل ما قال بعض الشعراء:

لولا العقول لكان أدنى ضيغم....... أدنى إلى شرف من الإنسان

ولربما طعن الفتى أقرانه ............ بالرأي قبل تطاعن الأقران

ويقول آخر:

ألم ترى أن العقل زين لأهله........ ولكن تمام العقل طول التجارب

يقول لك العقل الذي زيّن الفتى..... إذا لم تكن تقدر عدوك داره

ويقول آخر:

يعد رفيع القوم من كان عاقلا ..... وإن لم يكن في قومه بحسيب

وإن حل أرضا عاش فيها بعقله..... وما عاقل في بلدة بغريب

 ويقول آخر بيتا هو نص في موضوعنا:

ذوي العقل في معترك الأقدار مقتدر..... لكن ذا الجهل مغلوب ومغلول

وعقل ذو الحزم مرآة الأمور بها......... يرى الحقائق والمجهول مجهول

فالعقل أيها الأخوة مرآة ومانع من الوقوع في المحظور.

- ضبط اللسان.

يقول (صلى الله عليه وسلم) أمسك عليك لسانك، ولما قال له معاذ رضي الله عنه: إن يا رسول الله مآخذون بما نتكلم؟ قال ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

وقال (صلى الله عليه وسلم) وقد أمسك بلسان نفسه: كف عليك هذا.

ودخل عمر رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو آخذ بلسانه يجره، وكأنه يريد أن يقلعه، قال له يا أبا بكر حسبك، قال هذا الذي أوردني الموارد.

أبو بكر الصديق يقول عن لسانه هذا الذي أوردني الموارد، ماذا نقول نحن عن ألسنتنا، فالمحافظة على اللسان وضبط اللسان مما يمنع من التصرفات التي لا تحمد عقباها.

يصاب الفتى من عثرة بلسانه....... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته في القول تذهب رأسه....... وعثرته بالرجل تبرأ على مهل

احفظ لسانك أيها الإنسان......... لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه........كانت تهاب لقاءه الشجعان

الصمت زين والسكون سلامة...... فإذا نطقت فلا تكن مكثار

فإذا ندمت على سكوتك مرة....... فلتندمن على الكلام مرار

احفظ لسانك واستعذ من شره...... إن اللسان هو العدو الكاشح

وزن الكلام إذا نطقت بمجلس....... فإذا استوى فهناك حلمك راجح

والصمت من سعد السعود بمطلع..... تحي به والنطق سعد الرابح

عود لسانك قول الخير تنجو به....... من زلة اللفظ أو من زلة القدم

واحذر لسانك من خلٍ تنادمه........ إن النديم لمشتق من الندم

فالمحافظة على اللسان وضبط اللسان سبب لضبط النفس بل هو جزء من ضبط النفس.

- التجرد لله جل وعلا.

وهذا سبب أوجهه لأحبتي من الدعاة ومن طلاب العلم بصفة خاصة.

وللأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

وللقائمين بحدود الله.

التجرد من حظوظ النفس فعند التأمل والتحقيق قد يكون الغضب ليس لله، كيف؟

كم من الناس يغضبون ثم يتصرفون ثم يقولون غضبنا لله، ولو درسنا المسألة دراسة حقيقة مجردة لثبت لنا أنه في الحقيقة لم يكن الغضب لله، بمعنى أنه قد يكون أصل الغضب لله نعم.. مثلاً:

قد تأتي لإنسان فتقول له قم للصلاة جزاك الله خيرا، فيتلفظ عليك بكلمات، فقد لا تحتمل أعصابك فتصرف إما بالضرب أو بالشتم أو بغير ذلك. نعم يحدث هذا، وعندما يقال لك لماذا هذا التصرف؟ تقول إنني غضبت لله.

تأمل أخي الكريم، تأمل أخي الداعية أأنت غضبت لله أم غضبت لنفسك؟

كثير من الناس يقع في هذا البلاء وقد غضب لنفسه ولم يغضب لله جل وعلا، صحيح أنه كان يأمر بالأمر بالمعروف، صحيح أنه كان ينهى عن المنكر، وكان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لله، لا نشك في ذلك، لكن ما حدث بعد ذلك من ثورة وغضب وفوران وتعدي لم يكن لله جل وعلا، ولكن لأن هذا الشخص أساء إليك فغضبت لنفسك.

فالتجرد من حظوظ النفس وهو أمر لا يقدر عليه إلا من أعطاه الله قوة وعزما: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

فأقول أن نتجرد لله جل وعلا وأن يكون غضبنا لله لا لأنفسنا، ولو تأملنا وأخذنا الأمور بهدوء وناقشنا أنفسنا بعد ذلك، لوجدنا أن الغضب الذي كثيرا ما يحدث م يكن أثره غضبا لله وإنما هو لحظ النفس.

إذا فالتجرد من حظ النفس يعين على ضبط النفس بإذن الله.

- التربية الجادة وحسن الخلق.

وهنا كلمة للآباء والأمهات، وإلى المربين بصفة خاصة بالتربية على التحمل، ربوا أبناءكم، ربوا تلاميذكم على تحمل الإساءة من الآخرين، إننا لا نستغرب الإساءة من الآخرين، ولكننا نستغرب ردود الأفعال من الصالحين.

يقول (صلى الله عليه وسلم): (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن). فالتربية الجادة، والتربية الصالحة تؤدي بإذن الله إلى ضبط النفس.

وأشير هنا إلى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يشجع أصحابه على ضبط النفس، قال لأشج عبد قيس: (إن فيك خصلتين يحبوهما الله جل وعلا؛ الحلم والأناة).

فالحلم كما سيأتي بعد قليل كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يربي على ذلك، والتربية على التصرف في الأزمات مما يساعد على التخلص من هذا البلاء.

- معرفة مآلات الأمور.

من أعظم الأسباب التي تمنع من التصرفات الخاطئة معرفة عواقب الأمور، وإتقان قاعدة المصالح والمفاسد، الله جل وعلا يقول للصحابة:

( ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )، إذا كان سب الأصنام سيؤدي إلى سب الله جل وعلا، فلا تسبوا الأصنام، هذه قضية نغفل عنها.

الرسول (صلى الله عليه وسلم) جاء ليحطم الأصنام وجاء لينقل الناس من عبادة الأصنام إلى عبادة الله، ومع ذلك نجد أن الله ينهى الصحابة من أن يسبوا الأصنام، لماذا؟

لأن سب الأصنام يؤدي إلى أن المشركين يسبون الله جل وعلا.

فالمعرفة بمآلات الأمور أمر عظيم جدا.

معرفة النتائج أمور مهم جدا، الآن قد يأخذنا الأنفال بتصرف أهل السوء تصرفات هوجاء، ومع زحمة الانفعال والغضب والغيرة على دين الله وعلى محارم الله قد نتصرف ولا نعرف ماذا سيترتب على ذك، ونحن يجب أن نكون أكثر حكمة.

وإليكم هذا المثال:

قصة أصحاب القرية التي وردت في سورة ياسين:

أرسل الله جل وعلا لقرية رسولين، ثم عزز بثالث، فقالوا إنا إليكم مرسلون، ودامت القصة بين أهل القرية وبين الرسل، وفي آخر المطاف قال أهل القرية، لأن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم، هذه نهاية القصة.

فجاء رجل مؤمن، انظروا كيف يتم ضبط الأعصاب، انظروا كيف التصرف في المواقف الحاسمة: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)، ماذا سيفعل هذا الرجل؟

أهل القرية يهددون الرسل، أهل القرية يعلنون الشرك علانية، انتبهوا معي بدقة إلى أصل القصة، مشركون بالله ويستهزؤن بالرسل، يعلنون أنهم سيعذبونهم وسيقتلونهم، ويأتي الرجل يسعى ماذا سيفعل؟ ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).

أرأيتم الأسلوب، أريتم ضبط الأعصاب، أرأيتم كيف التصرف في مواقف الشدة، يقول يا قومي، بأحب الألفاظ إليه، وكان المتوقع بحدود فهمنا القاصر أنه مادام هؤلاء يهددون الرسل ويؤذنهم ويريدون أن يقتلوهم أن يأتي هذا ويلتحم بمعركة مع هؤلاء المشركين، لا، بل يقول بأحب الألفاظ إليهم: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

هل ستواجهون منكرا أعظم من هذا؟ أي منكر رأيتموه لن يكون أعظم من منكر أهل القرية، لأن أهل القرية مشركون كفروا بالله، هددوا الرسل، استهزئوا بالله، ومع ذلك يأتي هذا الرجل ويقول هذه الكلمات الهادئة، هذه الكلمات العاقلة، هذه الكلمات المطمئنة، ويثني الله جل وعلا عليه في نهاية القصة :( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ).

فإذا رأيتم منكرا لا نقول لا تغيروه، كلا وحاشا، ولكن ضبط الأعصاب مطلب شرعي لنعرف كيف نتصرف.

إذا اللهَ الله بالحلم وتدريب النفس على ذلك، الحلمَ الحلم، وإنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، وقدوتنا في ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

روى أنس أن رجلا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجذبه من عنقه قال يا محمد أعطني من مال الله، يقول أنس حتى رأيت أثر الجذبة بين رقبة وحتفه (صلى الله عليه وسلم)، ماذا فعل (صلى الله عليه وسلم)؟ تبسم وأعطاه حتى أرضاه. حلم عجيب ولا عجب فهو رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

يوسف عليه السلام:

تصوروا أن إخوانه الذي آذوه، وألقوه في البئر حتى سيق مملوكا، واشتري بثمن بخس، وسجن سنوات طويلة، ثم بعد ذلك يصبح عزيز مصر، فلما جاءت قصة أخيه قال أخوته:

( قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، ماذا يقصدون ؟

يقصدون يوسف عليه السلام، هذا الذي أذوه وأهانوه وهو الآن عزيز مصر، ماذا فعل يوسف؟ وانظروا إلى ضبط النفس:

( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).

حتى ما أراد أن يجرح مشاعرهم بهذه الكلمة، نعم حتى كلمة (أنتم شر مكانا) ما نطقها بل قالها سرا في نفسه،مع أنه وهو في موقعه عزيزا لمصر يستطيع أن يأخذهم وأن يعاقبهم وأن يعذبهم وأن يقتلهم، لكن مجرد أن يجرح مشاعرهم مع أنهم أذوه من قبل، بل وإلى الآن هم يجرحون مشاعره عندما قالوا: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، يتهمونه بالسرقة أيضا رغم أنه لم يسرق عليه السلام، وإنما هي تهمة لُبّست عليه وهو صغير، ومع ذلك لم يرد عليه السلام أن يجرح مشاعرهم، وهذا والله هو كظم الغيظ مع القدرة على التنفيذ، مع القدرة على المعاقبة.

عندما كان عليه السلام صغيرا وأخذوه وألقوه في البئر لم يكن يملك من أمره شيئا، ولكن الآن هو عزيز مصر ولو أراد أن ينتقم منهم لفعل، ولكن ليست قصة انتقام، بل حتى أن يجرح مشاعرهم بكلمة واحدة لا يريد.

الأحنف وهو سيد قومه يقال أنه إذا غضب غضبَ له مائة ألف لا يسألونه فيما غضب، لكن متى يغضب الأحنف؟ قيل له ممن تعلمت الحلم؟:

قال تعلمته من قيس ابن عاصم حيث كان يوما جالسا مع أصحابه في مجلسه، فجاءوا له برجل مقيد يرسف بالحديد،  وقالوا له: هذا أبن أخيك قتل ابنك.

فالتفت إلى أبن أخيه وقال: يا ابن أخي أقتلت ابن عمك وأسأت إلى لرحمك، وأثمت نفسك.

ثم التفت إلى ابنه وقال قم أطلق سراح ابن عمك، وأدي الدية إلى أمك، وجهز أخاك ثم آذنا بعد ذلك، واستمر في مجلسه، نعم لم يتحرك من مجلسه. الله أكبر.

ميمون ابن مهران:

كان جالسا مع أصحاب في مجلسه، فجاءت الجارية تحمل مرقة حارة لتقدمها لهم، فعثرت وسقطت المرقة على ميمون ابن مهران، فغضب غضبا شديدا، وكاد أن يعاقبها.

فقالت له حسبك، ألم تسمع إلى قوله تعالى: (والْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فكظم غيظه.

قالت ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قال قد عفوت عنك.

قالت: (َاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال أنتي حرة لوجه الله جل وعلا.

الحلم أيها الأخوة زين ومن زينة الرجال:

ألا إن حلم المرء أكرم نسبة ......... تسامى بها عند الفخار حليم

فيا رب هب لي منك حلما فإنني..... أرى الحلم لم يندم عليه كريم

أحب مكارم الأخلاق جهدي....... وأكره أن أعيب وأن أعابا

وأصفح عن سباب الناس حلما...... وشر الناس من يهوى السبابا

ومن هاب الرجال تهيبوه............ ومن حقر الرجال فلن يهابا

- الأعراض عن الجاهلين.

وهذا مما يساعد على ضبط النفس، يقول جل وعلا:

( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، ويقول: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)، ويقول: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً).

ومرة أخرى كان الأحنف يسير إلى مجلسه، وورائه رجل يتبعه ويسبه ويشتمه، فلما قرب الأحنف من بيته وقف وقال لهذا الرجل الذي يسبه ويشتمه، وكان يجري خلفه منذ مسافة، قال له يا أخي اعطني ما بقي عندك، أكمل السب والشتام، فأستغرب الرجل فقال لماذا؟

قال أخشى أن أدخل إلى حارتي وأنت تسبني فيراك سفهاء قومنا فيؤذوك وأنا لا أريد أن يؤذوك، فأطرق الرجل حياء وانصرف.

ولقد أمر على اللئيم يسبني ........... فمضيت ثم قلت لا يعنيني

لو كل كلب عوى أقمته حجرا ...... لأصبح الصخر مثقالا بدينار

فالإعراض عن الجاهلين منهج يؤدي إلى ضبط النفس.

- دفع السيئة بالحسنة.

يقول تعالى: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

ويقول (صلى الله عليه وسلم): ( اتق الله حث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحوها وخالق الناس بخلق حسن).

- الاستشارة.

نعم مما يعين على ضبط النفس الاستشارة فيما يجب اتخاذه من المواقف الطارئة والمفاجئة والاستعداد لذلك: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

ولكن ما معنى أن نتشاور؟

هو أن نقول نتوقع أن يحدث كذا، واحتمال هذا اليوم أن يستفزنا أحد، واحتمال عند وقوع هذا الأمر أن يحدث كذا، ماذا تنصحونا ؟

فنتشاور عن الحدث قبل وقوعه، فإذا وقع وإذا نحن قد قلبنا النظر، وإذا نحن قد استشار بعضنا بعضا، فنعرف كيف نتصرف، أما إذا أقدمنا دون استشارة فقد يكون أحدنا يرى الحسن خطأ والخطأ حسن: ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ).

- الصبر والتقوى.

يقول تعالى: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، ويقول: ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، ويقول: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).

ويقول الشاعر في الصبر:

أصبر قليلا فبعد العسر تيسير ...... وكل وقت له أمر وتدبير

وللمهيمن في حالاتنا قدر.......... وفوق تدبيرنا لله تدبير

أصبر فبالصبر خير لو علمت به..... لكنت باركت شكرا صاحب النعم

وأعلم بأنك إن لم تصطبر كرما.... صبرت قهرا على ما خط بالقلم

كن حليما إذا بليت بغيظ......... وكن صبورا إذا أتتك مصيبة

فالليالي من الزمان حبالى.......... مثقلات يلدن كل عجيبة

أصبر قليلا وكن بالله معتصما..... لا تعجلن فإن العجز بالعجل

الصبر مثل اسمه في كل نائبة....... لكن عواقبه أحلى من العسل

إذا جرحت مساويهم فؤادي...... صبرت على الإساءة وانطويت

وجئت إليهمو طلق المحيا......... كأني لا سمعت ولا رأيت

 فالصبر من أعظم العلاج في مسالة ضبط النفس.

- الالتزام بما ورد في الشرع الذهاب الغضب.

 وهي وسيلة عظيمة تجمع عدة وسائل، فأنتم تعلمون أن موضوع ضبط النفس يعني مدافعة الغضب، فكيف يدفع الواحد منا غضبه.

فمثلا إذا غضب الواحد منا على زوجته أو على ابنه، أو على أقاربه، أو أثاره الغضب على أمر من أمور الشرع، فكيف يذهب هذا الغضب؟

هذا الموضوع يحتاج بذاته إلى محاضرة خاصة، وأحيل الأخوة إلى كتاب للشيخ محمد المنجد بعنوان (شكاوى وحلول)، وهي رسالة جميلة ذكر فيها بابا عن الغضب، وكيف نعالج الغضب، وأذكر لكم هنا أبرز الوسائل التي مستطيع أن ندفع بها الغضب، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها:

الاستعاذة بالله من الشيطان: فعن سليمان بن سرد قال: كنت جالسا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ورجلان يستبان، فأحدهما أحمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان لذهب عنه ما يجد. وقال (صلى الله عليه وسلم) إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله سكن غضبه.

إذا التعوذ من الشيطان وسيلة مهمة من وسائل ضبط النفس.

السكوت: فيا أخي الكريم إذا غضبت إياك والكلمة، أخرج واترك الموضع، قال (صلى الله عليه وسلم):( إذا غضب أحدكم فليسكت).

السكون وتغيير الحالة التي هو عليها: قال (صلى الله عليه وسلم):(إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فيضطجع).

وهذا حديث يبين لنا كيف نتصرف: (قال رجل للنبي (صلى الله عليه وسلم) أوصني، قال لا تغضب، قال أوصني، قال لا تغضب، قال أوصني، قال لا تغضب.)يقول هذا الصحابي ففكرت حين قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.

فإذا كنت مع زوجتك تتكلم مثلا، اعلم أنك لو أنفذت غضبك فقد يقع الطلاق، وماذا بعد الطلاق ؟، لو كنت مع خصم لك وغضبت فقد يحدث ما لا يحمد عقباه.

أذكر هنا قصة عجيبة حدثت قبل سنوات:

(امرأة من أهل السنة ذهبت لشراء اللحم، وكان بعض الجزارين في تلك البلاد من الرافضة، فذهبت إلى أحد الجزارين وكان رافضيا، فقالت أريد منك لحم، فقام وأعطاها لحما، فلما نظرت اللحم فإذا هو قد غشها، فغضبت ورمت اللحم عليه وقالت أعطي هذه للخميني (وكان ذلك أيام الثورة)، فما كان من هذا الجزار إلا أن رفع السطور وقسمها نصفين، عليه من الله ما يستحق). أرأيتم الغضب ؟

فالغضب أيها الأخوة سببا لأكثر مشاكل القتل، نعم تبدأ مشاجرة عادية ثم تتطور شيئا فشيئا حتى تصل إلى القتل.

الدعاء: وهو من أعظم ما يضبط النفس، فالدعاء سلاح، أن يلح الإنسان على الله بالدعاء أن يرزقه حلما وعلما ويقينا وثباتا، نعم خاصة الثبات، أدعوا الله أن يثبت أقدامكم.

هذه أبرز وسائل ضبط النفس.

وأخير أقف مع نقطتين مهمتين:

* الأولى ثمار ضبط النفس:

- أولا ثمرة من ثمار ضبط النفس الاتصاف بصفة من صفات المتقين.

( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

تفويت الفرص على الأعداء، وحماية الصحوة من المتربصين.

يا شبابنا يا إخواننا والله إن الأعداء يتربصون ويتمنون أن يقع من شباب الصحوة، ومن طلاب العلم تصرفات تكون مبرر للإيقاع بهم، ففوتوا الفرصة عليهم، فإن من أعظم ثمار ضبط النفس تفويت الفرصة على الأعداء.

- تجنيب النفس الحسرة والندامة.

وكم من الناس في السجون يتحسرون على نزوة حصلت، كم من الرجال في داخل بيوتهم يتأثرون ويتحسرون على خراب بيوتهم.

جاءني رجل منذ أيام يقول لي أبحث لي عن مخرج، قلت ما الذي حدث؟

قال طلقت زوجتي وهذه هي المرة الثالثة أي بانت منه، وكنت مغضبا ومشكلتي الآن أطفالي ماذا افعل بهم؟ إن جلسوا معي مشكلة وإن ذهبوا معها مشكلة.

وهو الآن يعيش في حالة لا يعلمها إلا الله، ولم أجد له مخرج لأنني وجدت أن أسباب الغضب التي أدت به إلى الطلاق لا تبرر أن نعتبر أن إحدى تلك الطلقات خارجة عن إرادته، فقلت لا أجد لك حلا وأذهب إلى من هو أعلم مني.

وهو الآن يعيش حسيرا كسيرا متألما بسبب غضب لم يكظمه، فخرب بيته.

وإنني هنا أوجه الآباء والأمهات إلى الترفق بأبنائهم وإلى كظم الغيظ مع منهم تحت أيديهم، فقد كان (ص) رفيقا بأبنائه يداعب الحسن والحسين، ويفرح فرحا شديدا بمقدميهما، كان (ص) وهو يصلي يحمل إمامة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، كان لطيفا بالأطفال، كان يداعب أبا عمير طفل من الأطفال ويقول له: يا أبا عمير ما فعل النغير - طائر كان يلعب به -.

أما ما يفعله بعض الآباء فخذوا بعض هذه القصص ولعل فيها العبرة:

دخل أحد الآباء يوما على أولاده فوجدهم قد عبثوا في أثاث المنزل، تعلمون عن لعب الصغار يلحق بعضهم بعضا، وقد يرمون كرة وقد يكسرون شيئا أو يفسدون شيئا.

فغضب غضبا شديدا ونادى أكبرهم وربطه بيديه ربطا شديدا، وأقسم على أمه إن فككته من رباطه فأنت طالق.

وكان الطفل يبكي بكاء شديدا ويتأوه والأب لا يتصرف ولا يحرك ساكنا حتى ازرقت يدا الطفل. أخذه إلى المستشفى فقالوا له:؛

لا خلاص إلا بأن نقطع يدا أبنك، حيث أن هذا الدم إن وصل إلى القلب مات الطفل، فأضطر بعد أن اقتنع أن يوقع على قطع يدا أبنه، وهو يبكي.

ولما انتهت العملية وأفاق الطفل وجاء أبوه يزوره وكان يقول لأبيه:

يا أبتي أعد إلى يدي ولن أعبث بأثاث المنزل، والأب كلما رأى أبنه بكى وتأثر بسبب تصرف أهوج كان هو أعقل من أن يفعل ذلك.

و يقول لي أحد الآباء إن أحد أبنائي كان عاصيا ومفرطا وكنت آمره وأنهاه ولم يأتمر ولم ينتهي، وقد كان هذا الأب قواما صواما فقام ودعا عليه.

وأثناء مجيء ابنه من إحدى المباريات وقع له حادث وأصيب بشلل، ولله لقد رأيت هذا الابن وهو مشلول على الكرسي، وأبوه يقول أن أذاه بعد شلله كان أعظم من أذاه قبل شلله.

كان يكسر زجاج البيت، كان يسب أهله كان يؤذيهم، وفي نهاية المطاف ما كحان منه إلا أن أحرق نفسه مع البيت، ثم توفي أبوه بعد ذلك.

فبعض الأمهات هداهن الله تدعو على أبنه غضبا، وقد توافق ساعة إجابة، فيا أختي الكريمة عودي لسانك بدلا من أن تقولي أهلكك الله أن تقولي أصلحك الله:

عود لسانك قول الخير تنجو به........ من زلة اللفظ أو من زلة القدم

فبدل أن تسب أدعو لأبنك، بدلا أن تدعو عليه أدعو له: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً).

أحد الآباء شد على ابنه وغضب عليه، وأمره أن يخرج في الظلام لينفذ له حاجة من الحوائج، والابن الصغير الخائف يقول لا أستطيع، فأصر عليه والده وهو يقول له أنت جبان أخرج، فخرج وكان عمره عشر سنوات، فلما عاد الابن رجع وقد فقد عقله.

فأقول رفقا بأبنائكم، لطفا بأبنائكم، رحمة بأبنائكم.

- القدوة الصالحة.

طفل من الأطفال خرج في يوم من الأيام مع مجموعة من الدعاة، فلما وصلوا إلى القرية التي ذهبوا إليها قالوا: كل منا يذهب إلى شارع ويطرق البيوت على أهل هذه البلدة ويقول إن إخواننا لكم قد جاءوا لزيارتكم وهم سيلقون درسا أو محاضرة في المسجد الفلاني.

هذا الطفل ذهب وطرق باب أحد الناس، فخرج عليه صاحب البيت وربما كان نائما أو مشغولا أو لسبب من الأسباب، فلما خرج قال للطفل لماذا طرقت الباب، قال نحن إخوان لكم جئنا من مدينة كذا ونريد أن نزوركم وأن تحضروا معنا بعض الدروس، قال أمن أجل هذا تطرق الباب، ثم بصق في وجهه بغضب.

فما كان من هذا الطفل إلا أن مسح البصاق في وجهه وهو يقول: الحمد لله الذي أوذيت في سبيلك ثم انصرف.

هذا الرجل وقف مشدوها، فما كان منه إلا أن لحق بالطفل وقال له:؛

قف يا بني، لقد أخطأت عليك، أين إخوانك فأنتم ضيوف علينا وأريد أن تسامحني، ثم ذهب معه إليهم وجلس معهم وأكرمهم. أرأيتم القدوة الصالحة، نحتاج إلى قدوات لضبط النفس.

 

*أخيرا وقفات مهمة:

- الوقفة الأولى:

اعلموا أن عدم ضبط النفس مظهر ضعف لا مظهر قوة، يعني إذا جاء إليك إنسان وقال أن فلانا شتمنى أو تصرف كذا وأني ضربته، فلا تقل له أنه بطل، أبدا فهو بالحقيقة ضعيف، ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ).

يقول الإمام أحمد رحمه الله مبينا هذه المسألة:

(الصدع بالحق عظيم يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن قام بهما كاملا فهو صدّيق، ومن ضعف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، وليس بعد ذلك إيمان).

إذا عد ضبط النفس مظهر ضعف لا مظهر قوة.

- الوقفة الثانية:

هناك فرق عظيم بين ضبط النفس وبين الذل، فقد يقول قائل أن المعنى أن كل ما جاءنا نصبر عليه، وهذا يؤدي بنا إلى الذل والضعف، أقول لا.

فرق بين الذل وبين ضبط النفس:

ضبط النفس هو تحمل الأذى في سبيل الله، من أجل الله ومن أجل دعوته.

ضبط النفس هو تحمل الأذى والنظر في مآلات الأمور.

ضبط النفس هو مراعاة قواعد المصالح والمفاسد.

فإذا كان تصرفك سيجر علينا مصيبة أعظم فلا، وبارك الله فيك، أما إن كنت قادرا ولن يترتب على ذلك مفسدة فأقدم وبارك الله فيك، إن كنت صاحب سلطة فأدب هؤلاء.

أما الذل فهو تحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة النفس، كثير من الناس يتحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة نفسه، يخشى على وظيفته، أو يخشى أن يسجن، أو يخشى من أي أذى شخصي وهذا هو الذل.

هؤلاء هم الذين يتربون على الذل، أما أن تتحمل في سبيل الله، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) قد وضع السلى على رأسه الكريمة فما حركه وصبر (صلى الله عليه وسلم)، بل شجوا رأسه وصبر (صلى الله عليه وسلم).

فيجب أن نفرق بين ضبط النفس وبين الذل حتى لا يقع وهم، أو يتصور أحد منكم أن هناك خلط بين الأمرين.

( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى )، لا نحن لا نقبل بالذل ولا نرضى به أبدا، ولكن هناك فرق بين الأمرين فلتنتبهوا.

 

* الوقفة الأخيرة:

أن الغضب لله إذا انتهكت محارمه مطلوب شرعا، وهذا آخر ما أختم به كلامي لأهميته، الغضب من أجل الله إذا انتهكت محارمه مطلوب شرعا ولكن بضوابطه الشرعية، ضوابط المصلحة والمفسدة.

فالرسول (صلى الله عليه وسلم) الرحيم الحليم قد غضب غضبا شديدا عندما خرج والصحابة يتكلمون في القدر، وكأن ما تفقأ في وجهه الرمان (صلى الله عليه وسلم) أو كحب الرمان، وقال أيضرب بكتاب الله بعضه ببعض وأنا بين أظهركم.

وعندما بلغه أن معاذا كان يطيل الصلاة في الناس غضب (صلى الله عليه وسلم) وقال: أفتان أنت يا معاذ.

وعندما دخل على عائشة ووجد في غرفتها صور غضب (صلى الله عليه وسلم).

عندما جاء إسامة يشفع في المخزومية غضب (صلى الله عليه وسلم) وقال: يا إسامة أتشفع في حد من حدود الله.

وعندما قتل إسامة الرجل الكافر الذي قال في آخر حياته (لا إله إلا الله)، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم): أقتلته وقد قال لا إله إلا الله؟ ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة وغضب (صلى الله عليه وسلم).

ولكن غضبه لم يخرجه عن الحد الشرعي، وحاشاه من ذلك، بل إن غضبه شرعيا (صلى الله عليه وسلم).

إذا الغضب لله في ضوابطه الشرعية، وإذا لم يؤدي إلى مفسدة أعظم، وضبط بهذه الضوابط فهو مطلوب، والذي لا يغضب لله لا خير فيه.

وقد ذكر بعض الشعراء بعضا من ذلك:

إذا كنت محتاجا إلى الحلم إنني ...... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج

ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ....... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن شاء تقويمي فإني مقوم ........ ومن شاء تعويجي فإني معوج

ونحن لا نسميه جهلا، ولكن الشاعر سماه جهلا.

إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئا....... وخيرت أنى شئت فالحلم أفضل

ولكن إذا أنصفت من ليس منصف..... ولم يرضى منك الحلم فالجهل أمثل

والجهل هنا يقصد به الغضب.

ولا خير في حلم إذا لم يكن له...... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له...... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فأقول إن الغضب في الله، والغضب لله ولمحارم الله وضبط بضوابطه الشرعية فهو مطلوبا شرعا.

وختاما:

أسال الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القوا فيتبعون أحسنه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تم بحمد الله وتوفيقه.

………………………………………………………

أخي الحبيب – رعاك الله

لا نقصد من نشر هذه المادة القراءة فقط أو حفظها في جهاز الحاسب،

بل نأمل منك تفاعلا أكثر من خلال:

-  إبلاغنا عن الخطأ الإملائي  كي يتم التعديل.

- نشر هذه المادة في مواقع أخرى على الشبكة.

- مراجعتها ومن ثم طباعتها وتغليفها بطريقة جذابة كهدية للأحباب والأصحاب.

في حال أمكان الأستاذان من الشيخ لتبني طباعتها ككتيب يكون صدقة جارية لك.

أخي الحبيب لا تحرمنا من دعوة صالحة في ظهر الغيب.

و من خلال اقتراحاتك وتوجيهاتك لأخيك يمكن أن تساهم في هذا العمل الجليل.

اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم.

للتواصل:

أخوكم البوراق /            anaheho@maktoob.com

واحات الهداية/          http://www.khayma.com/ante99/index.htm

 

 

الأحد، 29 أغسطس 2021

نَشْأَةُ الكَوْنِ بينَ النَّظَرِيَّةِ العِلْمِيَّةِ والقُرْآنِ

 نَشْأَةُ الكَوْنِ بينَ النَّظَرِيَّةِ العِلْمِيَّةِ والقُرْآنِ
بقلم الدكتور/ علي محمّد علي عيد جابر
(قسم العلوم-شعبة الفيزياء- بالكليَّة )

image
يعتقد الكثير أن الكون هو ما نرى من نجوم وكواكب والأقمار التي تدور حولها, أو هو النجوم التي نراها في السماء كل ليلة. إن الكون أعظم من ذلك وأكبر وستدرك ذلك عندما تعلم أن شمسنا ما هي إلا نجم واحد من آلاف الملايين من النجوم في مجرتنا والتي تسمى درب التبانة والتي يبلغ قطرها 30000 بارسيك (البارسيك وحدة فلكية = 3,262 سنة ضوئية, والسنة الضوئية تساوي 9.5 تريليون كيلومتر). وتقع الشمس والمجموعة الشمسية بما فيها الأرض التي نعيش عليها على بعد 10000 بارسيك من مركز المجرة. وستدرك قدرة الخالق العظيم عندما تعلم أن هذه المجرة ما هي إلا نقطة ماء في محيط أو حبة رمل في صحراء الكرة الأرضية. فمجرتنا هي جزء من عنقود مجري يسمى المجموعة المحلية يبلغ قطره عشرات الملايين من السنين الضوئية،وهي بالتالي جزء من عناقيد مجرية أكبر. ربما يرى البعض أن الفلكيين يستطيعون رؤية هذا الكون الفسيح عبر تلسكوباتهم الضوئية أو الراديوية أو التي وضعت فوق أقمار صناعية خارج الكرة الأرضية, لا بل لم يستطع الفلكيون أو غيرهم سوى رؤية ما يُعتَقد أنه جزء ضئيل من هذا الكون، وذلك لأن لكل عين ترى أفق لا تستطيع رؤية ما بعده. وهذا يسري على جميع الأجهزة التي يستخدمها الفلكيون وهو ما يسمى بأفق الحدث, بل إن النظريات العلمية الموجودة أيضا لها أفق يسمى أفق الجسيمات. وإن مانراه إلى الآن برغم التكنولوجيا المتقدمة هو جزء قليل من السماء الدنيا يقدر بقطر يبلغ 36 ألف مليون سنة ضوئية, وصدق الله العظيم إذ يقول (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)) [الحاقة38].
وعندما تنظر في الكون تستشعر عظمة الخالق حين ترى ملايين المجرات فيها مليارات النجوم التي تختلف في أعمارها وفي أاحجامها ودرجات حرارتها ودرجات لمعانها وفي تركيبها الكيميائي وفي دورات حياتها فمنها النجوم العادية المفردة والمزدوجة والعماليق الحمر والنجوم الزرقاء والقزمة البيضاء والبنية والسوداء والمتغيرة ومنها المستعرة وفوق المستعرة والنجوم النيوترونية والنابضة وغير النابضة ومنها النجوم الخانســــــة الكانســــة (الثقوب السوداء) , -ولنا معها وقفة في مقال آخر-.
image
وغيرها مما يتخلق باستمرار من الدخان الكوني المسمي بالسدم الغبارية. ولهذه النجوم دورات حياة تبدأ بالميلاد داخل السدم ثم الطفولة والشباب والكهولة والموت بالانفجار والعودة مرة أخرى إلى مادة الدخان الكوني.
image
وكل مانراه في صفحة السماء هو جزء من السماء الدنيا التي وصفها الخالق تبارك وتعالي بقولة : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) [الملك 5]. ويضم الكون المنظور حوالي المئة ألف مليون مجرة وكل منها تحوي على الأقل مئة ألف مليون نجم وكل هذا لايشكل سوى 10% من الكتلة المفترضة للكون. وعند إضافة مادة ما بين النجوم ومادة ما بين المجرات والأشعة الكونية تصل كتلة الكون إلى 25 % من كتلة الكون الحقيقي أما الباقي فتعود إلى مايسمى المادة السوداء أو القاتمة وهي معتمة لايمكن رؤيتها . وكما يقول بعض العلماء هي المادة البدائية (الأولية) التي خلق منها الكون. وبذلك ندرك عظمة الخالق وصدق الله العظيم حيث قال : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [غافر 57], ومن هنا نتساءل كيف خلق الله هذا الكون وصوره ـ حيث قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت 20], ونحن هنا نحاول فهم عظمة الخالق في خلقه ولا نحاول إثبات صحة القرآن وهو صحيح وثابت لا يتغير وهو هداية للناس في كل مكان وزمان وسيجدون فيه ما يتطلبه كل عصر, بينما النظريات العلمية متغيرة قابلة للصواب والخطأ وليس هناك نظرية كاملة تحكم كل الظواهر الموجودة والتي سوف نجدها مستقبلا. ولكننا من وقت لآخر نحصل على نظرية تشكك فيما قبلها وتحاول إثبات الجديد وتكون عاجزة عن الإجابة عن كل التساؤلات. والنظرية تكون جيدة إذا كانت تفي بمطلبين اثنين:
يجب أن توصف توصيفا مضبوطا طائفة كثيرة من المشاهدات على أساس من نموذج يحوي فحسب عناصر تعسفية معدودة . ويجب أن تضع تنبؤات محددة عن نتائج المشاهدات في المستقبل. وأي نظرية فيزيقية هي دائما مؤقتة بمعنى إنها فرض وحسب, فإنك لا تستطيع قط أن تتيقن من أنه في المرة التالية لن تتناقض النتيجة مع النظرية، وأنَّ النظرية الجيدة تتميز بحقيقة أنها تضع عددا من التنبؤات يمكن من حيث المبدأ إثباتها أو دحضها بالمشاهدة .
وفي المرات التي تتفق التجربة مع التنبؤات فإن النظرية تبقى وتزيد من ثقتنا فيها وإن حدث أن وجدت مشاهدة جديدة متعارضة فعلينا أن نعدِّل من النظرية أو نتركها .
ونحن نرى أنه منذ خلق الإنسان وإلى الآن وهو يبحث عن ماهية هذا الكون وكيف خلق، ويوجد العديد من النظريات والنماذج الكونية لتفسير حركة الكون وبدايته ويتساءل البعض هل الكون له بداية ونهاية وهل له حدود مكانية معينة.
ولقد بدأ تفسير الكون بالعديد من القصص حول أن الكون محمول على ظهر سلحفاة, و أخرى تقول إن الكون كله داخل الكرة الأرضية، وغيرها من الأساطير القديمة . وعندما نتناول ذلك الموضوع من وجهة نظر العلم الحديث نجد أن هناك نماذج عديدة لدراسة الكون بدأت بعد ظهور نظرية النسبية العامة لاينشتاين وكلها تعتمد على مبادئ هذه النظرية.
وأهم هذه النظريات : نظرية استقرار المجال: وهي أنه أثناء تحرك المجرات مبتعدة إحداها عن الأخرى تتكون باستمرار مجرات جديدة في الفراغات التي بينها وذلك من مادة جديدة تخلق باستمرار وهكذا فإن الكون سيبدو تقريبا متماثلا في كل الأوقات وعند كل نقاط المكان. ولذلك تم تعديل النظرية النسبية بحيث تسمح بخلق متواصل للمادة وهو ما يسمى أحيانا بالثابت الإلهي في هذه النظرية إلا ان المعدل المستخدم هو من البطئ بحيث إنه لا يتعارض والتجربة.
ولقد تنبأت بأن عدد المجرات أو المادة المماثلة في أي حجم معين في الفضاء ينبغي أن يكون نفس العدد في أي مكان وأي زمان تنظر فيه للكون. ولكن مسح الفضاء الخارجي بواسطة الموجات الراديوية بينت أنَّ معظم مصادر الراديو لابد وأن تقع خارج مجرتنا وأنه يوجد من المصادر الضعيفة ما هو أكثر من المصادر القوية وأن المصادر القوية هي الأقرب من المصادر الضعيفة وهذا يعني أننا في المركز من منطقة هائلة من الكون المصادر فيها أقل من أي مكان آخر . وبذلك تتناقض التنبؤات مع المشاهدة.
وبما أن هذه النظرية تقول بأن الكون ساكن وهو لا نهائي في الزمان والمكان, فهي تؤكد فكرة أن المادة أزلية والكون أزلي وهي الفكرة السائدة لدى الملحدين عن عدم وجود خالق لهذا الكون وأنه لا يمكن خلق المادة من العدم كما لا يمكن إفناء المادة. على الرغم من أن أبسط المشاهدات الفلكية وهي : أن مادة الشمس لو كانت أزلية لما كانت الشمس تشع حتى الآن , تضحض هذا الادعاء إلا أن بعضهم ما زال يدافع عن هذه النظرية. نظرية الانفجار الكبير :
image
كيف بدأ الكون؟ يقول بعض علماء الفلك بأن الكون بدأ بانفجار كبير وعند حدوث هذا الانفجار كانت تحكم الكون أربع قوى تفككت فيما بعد ، وهي قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوية والأفضل هنا أن نسميها مجالات بدلا من قوى. وتلك القوى هي التي تشغل بال معظم علماء الفيزياء والفلك لتوحيدها بشتى الطرق ولنا فيها وقفة في مقال آخر حيث إنها تعد مجال تخصصي ولي فيها وجهة نظر سوف نعرضها فيما بعد.
إن اختلاف هذه الأجرام السماوية من حيث التركيب والنوع هي من إبداع الله ومن مصدر واحد, وإن الخلق عن طريق نقطة واحدة هي من معجزاته وعند انفجار هذه النقطة تكونت سحابة من الدخان تكون منها ما نراه الآن من مجرات ونجوم وكواكب وغير ذلك.
وقد اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرة تتحدث عن نشأة الكون وتطوره، منها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]. ومعنى رتقًا: الجمع واللم ؛ أي كانتا جسمًا واحدًا، ففتقناهما: الانتشار. وقوله (اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) [فصلت:11، 12]. و قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)) [الملك:3،4].
image
والنظرية الاقرب لهذا التفسير هي نظرية الانفجار الكبير. فقبل بدء الكون لم يكن للزمان وجود وبدأ منذ لحظة الانفجار.
فكما قال الإمام الغزالي: إن الكون حادث وإنه لم يكن قبله زمان, فالزمان والمكان بدأ بعد خلق الكون لأن الزمن مرتبط بالحركة. حيث كان الكون صغيرا بما لا نهاية لصغره وكثيفا كثافة لا متناهية, ولذلك يفترض أن يكون الكون المبكر بالغ السخونة والكثافة وأنه كان يتوهج بالحرارة حتى البياض وأن الإشعاع ينبغي أن يكون باقيا فيما حولنا إلا أن حرارته قد هبطت إلى درجات معدودة تحسب فوق الصفر المطلق (- 273°م). وأيضا تنبأت النظرية بأن الكون يتمدد منذ لحظة الانفجار وحتى الآن ويعني ذلك أن الضوء ينبغي أن يكون ذا إزاحة حمراء إلى حد عظيم بحيث إنه سيظهر لنا الآن كإشعاع من موجات الميكروويف (وفكرة الكون المتمدد غير الساكن نشأت مع صاحب نظرية النسبية اينشتاين حتى إنه أسماه الخطأ الأكبر في حياتي وهو ما يسمى بالثابت الكوني) وكانت من أهم تنبؤات العصر الحديث و لقد تحققت على يد هابل في 1929 بمشاهد تعد علامة طريق وهي إنك حيثما وجهت بصرك تجد المجرات البعيدة تتحرك بسرعة بعيدا عنا وتعني أن الكون يتمدد ويعني ذلك أن الأجسام كانت في الأوقات السابقة أكثر اقترابا معا أي أنها كانت منذ عشرين ألف مليون سنة كانت كلها في نفس المكان بالضبط وبالتالي فإن كثافة الكون وقتها كانت لا متناهية.
وفي 1965 تم اكتشاف موجات الإشعاع الخلفية (الميكروويف) وحرارتها تعادل 2,7° كلفن. وهذه الموجات تشبة موجات الضوء و لكن ترددها عشرة آلاف مليون موجة في الثانية فقط.
image
ويعتقد العلماء إن الكون وقت الانفجار نفسه يكون حجمه صفرا وبهذا يكون ساخنا على نحو لا متناه ولكن إذ يتمدد الكون فإن حرارة الإشعاع تقل. وبعد الانفجار بثانية واحدة تكون الحرارة قد هبطت لما يقرب من عشرة آلاف مليون درجة وهي درجات الحرارة الموجودة في انفجارات القنبلة الهيدروجينية ويكون ما يحتوي عليه الكون عندئذ هو في الغالب كواركات وبروتونات ونيوترونات وفوتونات ومضادات الجسيمات وبعد ذلك ومع استمرار الكون في التمدد والحرارة في الانخفاض, وبعد مائة ثانية من الانفجار تصبح الحرارة ألف مليون درجة وهي درجة حرارة باطن النجم ويتكون بذلك عناصر أخرى غير الهليوم. وبعد ساعات من الانفجار يتوقف إنتاج الهليوم والعناصر الأخرى. وبعد ذلك يستمر الكون في التمدد وتتكون السدم والمجرات والنجوم والكواكب. وتتوالى الأحداث ونرى أن ماحدث في الثواني الأولى أكثر مما حدث في مليارات السنوات التالية.

وسوف نلخص نموذج خلق الكون طبقا لنظرية الانفجار الكبير كالتالي:
بدأ الكون في 10-43 من الثانية عند قطر 10-33 سم في التضخم بكثافة متناهية وتمدد مستمر مع برودة في درجة الحرارة وحدث ترابط بين النيوترونات والبروتونات عند 10-11 من الثانية و بذلك اختفت المجالات الأربعة التي كانت تحكم الكون وتترك المجال للجسيمات بالتفكك.
image
وعند الزمن 10-9 ثانية أصبحت درجة الحرارة ( 10 أس 15) كلفن وأصبحت الجسيمات المسيطرة هي الكواركات واللبتونات والفوتونات وبعد ذلك ومع استمرار برودة الكون اتحدت الكواركات والنيوترونات والتي بدورها اتحدت لتشكيل نوى الذرات فيما بعد. وعند درجة حرارة (10 أس 9) كلفن والزمن بضعة دقائق بردت البروتونات والنيوترونات بما فيه الكفاية وشكلا زوجا يدعى الديتريوم وتجمعا معا لتكوين نوى الهيليوم. وكل ذلك حدث في الثلاث دقائق الأولى من بداية الكون ثم بدأت الامور تسير ببطء شديد وظل الكون غارقا في الإشعاعات لعشرات الملايين من السنين . بعد الدقائق الثلاث الأولى تكونت النوى وتولدت الذرات الأولى بعد ثلاثمائة ألف سنة وانخفضت درجة الحرارة إلى 3000 كلفن مما سمح لذرات الهيدروجين بالظهور والبقاء. وعند درجة الحرارة هذه كان من الممكن للنواة أن تمسك بالالكترون لتكوين الذرة حيث إن درجات الحرارة العالية تمنع تكوين الذرات. ثم تجمعت الذرات مكونة سدم غازية تطورت بعد ذلك لتصبح نجوما وأصبح الضوء ينطلق لسنوات ضوئية دون امتصاص. حيث إنه في السابق لم تكن الرؤية ممكنة نتيجة امتصاص الضوء وعدم رصده لأن الكون كان شبيها بضباب كثيف. وتولدت العناصر الثقيلة بعد مليارات السنين نتيجة انصهار ذرات الهيدروجين والهيليوم داخل السدم الغبارية. ثم تشكلت المجرات من مجموعة النجوم وبعد مرور السنين تكونت الكواكب من تلك العناصر الثقيلة.
ولقد تنبأت هذه النظرية بأربعة تنبؤات تم تأكيدها بالأرصاد وهي :
1- الكون يكبر ويتسع والمجرات تتباعد بسرعة متزايدة كلما ابتعدت عن بعضها البعض, وهذا يؤكد فرضية أنها كانت مجتمعة في مكان واحد سابقا ويقدر عمرها بحوالي 15 مليار سنة ، وهو ما أكده هابل في سنة 1929 .
2- ربع كتلة الكون الكلية من الهيليوم الذي تشكل أثناء الدقائق الأولى لخلق الكون وهي الكمية التي تتفق مع الأرصاد.
3- وجود أشعة الخلفية الكونية وهي الأشعة المتبقية منذ الانفجار الكبير إلى الآن وتقدر بحوالي 3 درجات كلفن . وهو ما تم اكتشافه سنة 1965 بواسطة بنزياس وولسون وتؤكد أن الإشعاع والمادة كانتا في عهد من العهود في حالة توازن ثم تغلبت المادة على الإشعاع عند نقطة تحول معينة.
4- عمر النجوم القديمة يتراوح ما بين 12 – 15 مليار سنة. ولقد تم العثور على غيوم عمرها 15 مليار سنة وأن عمر الارض 13,5 مليار سنة.
فبعد الأدلة العلمية التي ساندت نظرية الانفجار الكبير نجد أن بعض أنصار نظرية الاستقرار يعترفون بفشل نظريتهم, فكما يقول الفيلسوف أنطوني فلوف إن نموذج الانفجار الكبير شيء محرج جدا بالنسبة للملحدين لأن العلم أثبت فكرة دافعت الكتب الدينية وهي فكرة أن للكون بداية. إن طبيعة الانفجار الكبير يضيف دليلا على أن الكون خلق بتقدير دقيق و نظام رائع. وذلك لأن أي انفجار يؤدي إلى تخريب وهدم خاصة انفجار كبير كهذا لكننا نرى الكون منسق ومنظم بعكس ما نتوقعه من انفجار عشوائي. ولذلك قال فريد هويل - أثناء محاضرة له بتريستا أثناء دراستي بها- نحن نعلم أن كل انفجار يشتت المادة ويبعثرها دون نظام ولكن الانفجار الكبير قام بعكس ذلك بشكل محفوف بالأسرار ؛ إذ قام بجمع المادة معا لتشكيل الكون الذي نراه.
وأيضا يقول ستيفن هاوكينج إن سرعة توسع الكون سرعة حرجة إلى درجة أنها لو كانت في الثانية الأولى من الانفجار أقل من جزء واحد من مليون مليار جزء لانهار الكون حول نفسه قبل أن يصل إلى وضعه الحالي. وهذا ما جعل بول ديفيز يقول إنه من الصعب جدا إنكار أن قوة عاقلة ومدركة قامت بإنشاء هذا الكون المستند إلى حسابات دقيقة لأن التغيرات الرقمية الحساسة والموجودة في أسس الموازنات في الكون دليل قوي على وجود تصميم دقيق في نطاق الكون.
و يقول جورج كيرنشتاين إنه كلما دققنا الأدلة واجهتنا على الدوام الحقيقة نفسها وهي أن هناك قوة عاقلة فوق الطبيعة تدخلت في نشوء الكون.
ونحن نردد ما قاله الله في محكم آياته: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم 10], (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت 53].
وهناك نماذج تدرس تمدد الكون وأخرى انكماش الكون بعد تمدده والعودة إلى نقطة الانسحاق الكبير وأخرى تقول إن الكون سوف يتمدد إلى ما لا نهاية. وهناك العديد من التساؤلات التي مازال علماء الكون يحاولون تفسيرها ، ومن أهمها هل الكون له نهاية وهل سيستمر هكذا في التمدد إلى الأبد. أم أنه سوف ينكمش على نفسه ويعود لنقطة البدء, وهو ما نسميه الانسحاق الكبير.
ومن هذه النماذج الكونية العديدة نموذج فريدمان والذي يعطي ثلاثة احتمالات للكون وهي: الكون المفتوح والمستمر والمغلق. فإن كان التوسع الكوني بالمقدار الذي تستطيع به المجرات الهرب من قوة الجاذبية فإن التوسع سيستمر دون توقف وذا يسمى بنموذج الكون المفتوح أو المستمر, أما إن كانت سرعة الكون أقل من سرعة الهروب فإن توسع الكون سيقف بعد مدة ويبدأ الكون في الانكماش مرة أخرى وهذا يسمى نموذج الكون المغلق. فسرعة الهروب من الجاذبية تعتمد على كثافة الكون, فإذا كانت كثافة الكون الحرجة تبلغ 7,5 ×10-30جم/سم3 لأمكن للجاذبية التغلب على قوة توسع الكون. ولكن كما ذكرنا سابقًا نحن لا نعلم سوى25% من كتلة الكون المنظور.
وتعني هذه النماذج أنه في حالة عدم تغلب الجاذبية على التوسع الكوني فسيبقى الكون في توسع دائم وإلى الأبد . ولكن هذا الكون سوف يستنفذ طاقته مع مرور الوقت والتوسع، وبذلك يمثل مقبرة هائلة متسعة لا أثر للحياة فيها. أو تستطيع الجاذبية التغلب على التوسع الكوني ويبدأ الكون في الترتجع إلى الوراء وينكمش على نفسه بفعل الجاذبية حتى يرجع ويتركز في نقطة واحدة صغيرة وهذا يعني فناء الكون قبل الوصول إلى نقطة الصفر بوقت كبير وتسمى هذه العملية بعملية الانسحاق الكبير . إذًا تعددت الأسباب والموت واحد. وتؤكد هذه النماذج على وجود نهاية للكون كما أكد نموذج الكون الكبير على وجود بداية للكون .
و لكن البعض منا لا يؤمنون بوجود بداية ونهاية للكون ، لذلك اقترحوا نظرية اخرى تسمى نظرية النموذج المتذبذب وهي تقول إن الكون يتسع منذ الأزل (الانفجار الكبير) ثم ينكمش على نفسه ثم يتسع مرة أخرى بانفجار كبير آخر ........ وهكذا. إذًا فهناك كون أزلي لا بداية ولا نهاية له. ولكن هذا النموذج فشل بسرعة لأنه لم يستطع الإجابة على أبسط القوانين الفيزيقية وهي الانتروبيا التي تقول بأنه أثناء عملية التحول هناك قسم من الطاقة يتحول إلى شكل غير قابل للاستفادة منه. وأثناء عملية الانكماش لا توجد هناك طاقة قابلة للاستفادة منها . إذًا لا توجد طاقة يمكنها القيام بعملية تحوّل .
وقد طرح القرآن الكريم عملية الاتساع هذه بقوله تعالى ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) [الذريات:47].
ونهاية الكون بما يسمى الانسحاق الكبير في قوله تعالى (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104].
وهكذا يتضح أن من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الإعجاز العلمي وخاصة في علم الكون ونؤكد هنا أن الله سبحانه وتعالى ما جاء بهذا النوع من الإعجاز إلا ليؤكد عظمة القرآن ويؤكد صدق رسالة رسوله محمد ص.

وإلى هنا لا يسعنا إلا أن نقول : (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه114] .


المراجع:
1- النسبية العامة، فوستر ونايتنجل، 1995 دار شبرنجر للنشر.
2- الموسوعة الفلكية، فايجرت وتسمرمان، ترجمة د.عبدالقوي ذكي عياد، 2002 الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3- مشاكل الثابت الكوني، موفات، gr-qc 0312115 معهد الفيزياء النظرية- ووترلو- كندا.
4- مشروع COBE-HUBBLE ناسا- أمريكا.

بحث علمي جديد يؤكد: تطابق كامل بين العلم والقرآن في نظرية بداية الكون

 

بحث علمي جديد يؤكد: تطابق كامل بين العلم والقرآن في نظرية بداية الكون

فتق السماوات والأرض بين العلم والقرآن كان موضوع البحث العلمي الذي أعده د.حسن الدسوقي حمامة استاذ الجيولوجيا بجامعة المنصورة. في البداية يقول الباحث ان المعوذتين أي سورتي الفلق والناس احتفى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فور نزولهما وقال: أنزلت هذه الليلة آيات لم أر مثلهم قط.. قل أعوذ برب الفلق.. وقل أعوذ برب الناس. وقد ورد في تفسير كلمة الفلق أنه الصبح والخلق وكل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى وقيل هو اسم في جهنم. ولاختيار المعنى الدقيق نشير إلى نظرية الانفجار العظيم التي تفسر كيفية نشوء الكون في الوقت الذي لم تكن هناك مجرات ولا مجموعة شمسية. ويمكن ترجمة اسم النظرية بلغة القرآن لتكون بمعنى فتق الرتق. ويتلخص فحوى النظرية أنه منذ 15 - 18 بليون سنة كان الكون متجانسا حيث كانت كتلة العالم وطاقته منضغطة في مكان واحد، ذات حجم صغير بالمقارنة بحجمها الحالي.. والآن تتركز هذه المادة في المجرات التي تتجمع في مجموعات يوجد بينها فراغ شاسع ويفترض الفلكيون أن الكون الحالي يفقد خاصية التجانس. وإن كان هذا الانفجار قد وقع حقا - كما تصوره العلماء - فإنه يمثل انفجارا غير عادي.. وربما كان يمثل الفلق الفريد الذي انبثقت منه المادة والطاقة والفراغ إلى الوجود من عدم بقدرة الله.. ويتوقع الفلكيون أن درجة الحرارة عند لحظة الانفجار الفلق قاربت المئة بليون درجة. وقد هبطت بعد الثانية الأولى من الانفجار الرهيب إلى 10 ملايين درجة.. حيث كانت مادة الكون ممثلة بطاقة اشعاع والكترونات ثم هبطت درجة الحرارة إلى بليون درجة بعد 4 دقائق من لحظة الفلق.. ثم أخذ الكون يبرد ويتسع رويدا رويدا خلال المليون سنة التي أعقبت لحظة الفلق. ثم أذن الله لعالمنا في الوجود على شكله الحالي بعد أن هبطت درجة الحرارة إلى عدة آلاف حيث تسبح المجرات مبتعدة عن بعضها البعض. الفلق هو بداية الخلق بعد كل ذلك.. نستطيع أن نقول كم كان حبر الأمة عبد الله بن عباس موفقا حينما فسر كلمة الفلق بالخلق. فأساس الخلق كما رأينا بدأ منذ هذا الانفجار العظيم. وكم كان أيضا كعب الاحبار ملهما عندما قال إن الفلق واد في جهنم، فهكذا كانت درجة الحرارة عند لحظة الفلق 100 مليون درجة والآن تتضح أمامنا الحكمة الكبرى من الاستعاذة برب الفلق.. وصدق الله العظيم إذ يقول «قل أعوذ برب الفلق». وحينما تحدث القرآن الكريم عن هذه اللحظة الرهيبة في حياة الكون قال «ألم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون». وهكذا عبر القرآن الكريم عن تلك البداية بالرتق والفتق والرتق: هو السد وهو ضد الفتق. وقد فسرت الآية على عدة وجوه.. ففسرها بعض العلماء على ان السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا ملتصقتين ففصل الله بينهما. وجعل السماوات سبعا والأرض سبعا. وفسرها آخرون بأن السماوات كانت مؤلفة من طبقة واحدة ففتقها الله فجعلها سبع سماوات.. وكذلك الأرضون كانت طبقة واحدة ففتقها الله وجعلها سبعا. ورأت جماعة ثالثة من العلماء أن السماوات كانت رتقا لا تمطر.. والأرض كانت رتقا لا تنبت فتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات وتتفق نظرية الانفجار العظيم مع الرأي الأول. وماذا عن نهاية الكون؟ يتصور الفلكيون وضعين للكون مستقبلا.. الوضع الأول هو العودة إلى البدء حيث تصبح جاذبية الكون كافية لتجميع المجرات وينهار النظام الكوني الحالي. ويعود إلى حالته الأولى.. ثم يتسع بعد ذلك، ثم يعود بعد ذلك إلى وضعه الأصلى.. وهلم جرا.. والوضع الثاني هو الوضع المتسع دائما وأبدا.. حيث تصير جاذبية الكون غير كافية وتستمر المجرات في الانفصال إلى ثقب بارد. وأخيرا ينتهي الكون. وبما أن الخيار بين التوقعين قد ترك مفتوحا فإننا نرى أن الكون يتسع ولكنه لا محالة معاد إلى سيرته الأولى.. كما يقول الله تعالى «كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين».. وصدق الله العظيم إذ يقول: «ألم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون». السماوات السبع وقال الباحث ان السماء وردت في القرآن الكريم بمعان متعددة منها السحاب كما في قوله تعالى: «أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها» والمطر كما في قوله تعالى «يرسل السماء عليكم مدرارا».. وسقف البيت كما في قوله «من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء».. والقضاء كما في قوله تعالى «الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله».. والوجهة كما في قوله تعالى «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها». والسماوات السبع من المسائل التي لم يوفق الله الناس لمعرفة حقيقتها على وجه لا اعتراض عليه. والواجب على المسلم أن يثبت السماوات كما أثبتها القرآن.. والسماء في لغة العرب كل ما يعلو غيره.. وقد وصفت السماء في القرآن الكريم بأنها جنس السماوات السبع.. مرفوعة، موسعة، موضع الرزق والبركات، وتحوي الصيب والرجز والكسف، وذات الرجع، ملئت حرسا وشهبا - الخ. والسماوات سبع كما جاءت بذلك نصوص القرآن في مواضع كثيرة. «تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن» ومن التفسيرات الجانحة تفسير السماوات السبع على أنها الكواكب السبعة السيارة.. وذلك لأن عددها اليوم تسعة. وقد ورد في السنة أن عدد السماوات سبع وكذا الأرضون سبع. لكننا نؤكد أن السماوات السبع والأرضين السبع لا تزال غيبا بالنسبة للعلم.. وما يعرف منها بالنسبة لنا هو ما يتعلق بمعلوماتنا غير الكاملة عن كوكب الأرض الذي نعيش عليه. ونحن لا نعرف علما بشريا لدلنا على مواقع وماهية الأرضين الأخرى غير كوكب الأرض الذي نعيش عليه. والبشر لا يستطيعون أن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض إلا بسلطان الله كما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعراج. ولكن السنة النبوية تخبرنا بأشياء تتعلق بأبعاد ومواقع السماوات السبع والأرضين السبع ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا؟ فقالوا الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها الرقيع.. سقف محفوظه وموج مكفوف.. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا:الله ورسوله أعلم.. قال: بينكم وبينها خمسمئة عام.. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمئة عام.. ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض إلى آخر الحديث الشريف الطويل. القاهرة- السيد أبو داود: د. حسن الدسوقي حماقة

السبت، 21 أغسطس 2021

الملحد ودعوى أن قوانين الكون قد أنشأت الكون

 

الملحد ودعوى أن قوانين الكون قد أنشأت الكون



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من اتَّبعَهم بإحسان إلى يوم الدين.


وبعد:

فقد انتشَر في عصرنا مرَضُ الإلحاد، وهو أحدُ الأمراض الفكريَّة الفتّاكة؛ إذ يَفتِك بالإيمان ويُعمي الحواسَّ عن أدلة وجود الخالق الرحمن، وتجد المريضَ يجادل في البديهيَّات، ويجمع بين النقيضين ويفرِّق بين المتماثلَين، ويجعل من الظنِّ علمًا ومن العلم جهلاً، ومن الحق باطلاً ومن الباطل حقًّا.

 

ومن عوامل انتشار هذا المرض الجهلُ بالدين وضعفُ العقيدة واليقين، والاسترسالُ في الوساوس الكفريَّة، والسماعُ والقراءة لشبهات أهل الإلحاد، دون أن يكون لدى الإنسان علمٌ شرعيٌّ مؤصَّل.

 

وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلاَّ أقوال بلا دليل، وادعاءاتٌ بلا مستند، ورغم ضعفها وبطلانها فإنَّها قد تؤثر في بعض المسلمين؛ لقلَّة العلم وازدياد الجهل بالدين؛ ولذلك كان لا بد من كشف شبهات ومغالَطات ودعاوى أهل الإلحاد، شبهة تلو الأخرى، ومغالطةً تلو مغالطة، ودعوى تلو دعوى؛ حتى لا ينخدع أحدٌ بكلامهم وشُبههم.

 

وفي هذا المقال سنَتناول بإذن الله نقضَ دعوى الكثير من الملاحدة أنَّ قوانين الكون قد أنشأَت الكون، ونقض دعوى بعض الملاحدة أن بسبَب وجود قانون كقانون الجاذبيَّة فإن الكون يمكِنُه وسيُمكنه خلقُ نفسه من العدم، ونقْضَ قول بعضهم: نشأة الكون لم تكن سوى عواقِبَ حتميةٍ لقوانين الفيزياء، ولم يكن الكونُ بحاجة إلى إله يُشعِل فتيلاً ما لخلقه، وعلى ما يزعمون: الفيزياء الحديثة تَنفي وجود خالق للكون.

 

ما هي القوانين الفيزيائية؟

قبل بيان بطلان دعوى أنَّ قوانين الكون قد أنشأت الكون لا بد أن نعرف: ما هي القوانين الفيزيائية؟ فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.

 

والقوانين الفيزيائية عبارةٌ عن وصفٍ لظاهرة فيزيائيَّة معيَّنة، أو سلوك معين للمادَّة، يتكرَّر تحت نفس الظروف في صورة معادلات وثوابتَ يتمُّ استنباطها من خلال دراسة تلك الظواهر، أو السلوكيات للمادة.


وتكون هذه القوانين عادةً عبارة عن استنتاجات تستَنِد إلى تجاربَ عِلمية تمَّت على مرِّ فترة زمنية طويلة، فأصبحَت مقبولةً بشكل عام ضِمن المجتمع العلمي.


وجود قانون يدل على وجود مقنِّن له

من البديهيات أن وجود قانونٍ ما، يدل على وجود مقنِّن واضعٍ لهذا القانون، سنَّ هذا القانون، وواضعُ القانون (الفاعل) لا بد أن يَسبق القانونَ (المفعول)، والكون الذي نعيش فيه محكومٌ بقوانينَ، فلا بد أن يكون لها من قنَّنها وسنَّها، فمن الذي فرض هذه القوانينَ على الكون وسنَّها؟

 

من الذي فرض قوانين الكون على الكون؟

بما أن أيَّ قانون لا بد له من مقنِّن سنَّه فمن الذي فرض قوانين الكون على الكون؟

والجواب: الذي سنَّ هذه القوانين التي تحكم الكون إمَّا أن يكون الكونَ نفسه، أو القوانين نفسها، أو شيء آخر خارجعن الكون.


وإن قالوا: الكون نفسه فمُقتضى قولهم أنَّ الكون يحرك نفسَه بنفسه، ولا يمكن أن يكون الشيءُ بعينه محرِّكًا لنفسه، وإلا لزم وجودُه قبل نفسه، وهذا محال.


وإن قالوا: من سن القوانينَ القوانينُ نفسُها فهذا تصويرٌ للقوانين علىأنها محرِّك، وهذا فاسد؛ لأن القوانين مجرد وصفِ سلوكٍ لظاهرة في الكون، يتكرر تحت نفس الظروف.

 

وإما أن يكون مَن سن القوانين شيءٌ خارج عن الكون، فهذا إثباتٌ لشيء خارج عن الكون، ونحن نقول: إنه الله.

 

العلم يعرفنا كيف تعمل الأشياء، وليس لماذا تعمل ومن الذي عَمِلها؟

مما ينبغي معرفته أنَّ العلم يعرفنا كيف تعمل الأشياء، وليس: لماذا تعمل الأشياء؟ ومن الذي عملها؟ أي: يعرِّفنا آليَّة عمل الأشياء، وطريقة عملها، ولا يفسِّر العلم لنا: لماذا تعمل الأشياء؟ ومَن الذي جعَلها تعمل بهذه الطريقة؟

 

فلا يبحث العلمُ عن الفاعل، بل يبحث عن الفعل، ولا يبحث عن الحادث، بل يبحث عن الحدَث، ولا يبحث عن موجِد القوانين، بل يبحث عن القوانين نفسها.

 

إدراك كيفية عمل الشيء لا ينفي وجود مسبب للشيء

مما ينبغي معرفته أنَّ إدراك كيفية عمل الشيء لا يَنفي وجود مسبِّب للشيء؛ فليس معنى أني عرفت كيف تطير الطائرة أنَّ الطائرة ليس لها مخترع ومصمِّم؛ فأنا أعلم أن للطائرة مخترعًا ومصممًا، وقد اخترع الطائرةَ الأخوان رايت - أورفيل وويلبر - وآلية عمل الطائرة لا تَنفي وجود مخترع للطائرة، ولا تنفي وجود مصمِّم للطائرة.


وليس معنى أني عرفت كيف تعمل السيارة المعتمِدة على البنزين أنَّ السيارة المعتمدة على البنزين ليس لها مخترع ومصمِّم؛ فأنا أعلم أن للسيارة المعتمدة على البنزين مخترعًا ومصممًا، ومخترع السيارة المعتمدة على البنزين هو كارل فريدريش بنز، وآلية عمل السيارة المعتمِدة على البنزين لا تَنفي وجود مخترع للسيارة المعتمدة على البنزين، ولا تنفي وجود مصمم لها.


وليس معنى أني عرفت كيف يعمل المصباحُ الكهربائي أن المصباح الكهربائيَّ ليس له مخترع ومصمم، فأنا أعلم أن للمصباح الكهربائي مخترعًا ومصممًا، ومخترع المصباح الكهربائي هو توماس ألفا إديسون، وآلية عمل المصباح الكهربائيِّ لا تنفي وجود مخترع للمصباح ومصمم له.


ومِن هنا نستنتج أيضًا أنه ليس معنى أن العلماء قد عرَفوا كيف نشأ الكون، وأسبابَ نشأة الكون، وعرَفوا الآليات التي يعمل بها الكون: أن الكون ليس له موجِد، وليس له مصمِّم، وليس له مسبب سبَّب أسباب نشأته، والقول بأن معرفة العلماء كيف نشأ الكون، والآليات التي يعمل بها الكون، يُغني عن البحث عن موجدٍ للكون، ويُغني عن البحث عن سبب وجود الكون - قولٌ غير صحيح؛ إذ فيه خلطٌ بين آلية نشأة الكون، وموجِد الكون، ومسبب الكون.


ويقول الشيخ عبدالرحمن بن حَبَنَّكَة الميداني: "قد يعَضُّ الكلب الحجَر الذي رآه يتَّجه نحوه ليصيبه، أما الإنسان المفكِّر فإنه يبحث عن الذي رَمى الحجر نحوه بقصدٍ، فإذا عرَفه واستبان أنه قد قصَد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتَقِم منه؛ دفاعًا عن نفسه، ولم يفكر بالانتقام من الحجر مطلقًا.


وهنا نقول: إن الماديِّين الذين يقفون عند الأسباب الماديَّة للظواهر الكونية التي يتجلَّى فيها القصد، ولا يبحثون عن السبب الحقيقي، مع أن هذه الأسبابَ تحتاج هي أنفسها إلى أسباب تفسِّر ظاهراتها وتعلِّل حدوثها، إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعَضُّ الحجر الذي قُذف عليه"[1].

 

إيجاد تفسير لظاهرة من الظواهر ليس معناه استبعادَ سبب الظاهرة

مما ينبغي معرفته أن إيجاد تفسير لظاهرة من الظواهر ليس معناه استبعاد سبب الظاهرة، والإقرارَ بوجود ظاهرة لا يُلغي وجود سبب لها، كما أن الإقرار بالفعل لا يُلغي وجود فاعل، وعلى سبيل المثال: لو وقعَت جريمة من الجرائم فتفسير كيفيَّة وقوعها لا يُغني عن وجوب البحث عن فاعلٍ لهذه الجريمة.

 

والعلماء يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمَل الكونُ بها، هم يكشفون لنا كيف تعمل القوانين في الأشياء، ونحن نريد إجابةً عن موجد الكون، وموجِدِ القوانين التي تَحكمه[2].

 

لا يمكن لقوانين الطبيعة أن تنتج شيئًا للوجود

لا يمكن لقوانين الطبيعة أن تُنتج شيئًا للوجود، ولا يمكن لقوانين الطبيعة أن تنتج حدَثًا من الأحداث، بل غاية قوانين الطبيعة وصفُ العلاقة بين أحداثٍ معينة بعدما أوجدَتها الأسباب، ومَن يعتقد أن القوانين تستطيع أن تسبب شيئًا من الأشياء، كمن يعتقد أن القوانين الحِسابيَّة يمكن أن توجد مالاً، وكمن يعتقد أن القوانين التي تعمل بها السيارة يمكن أن تخلق السيارة أو تُسير السيارة دون الحاجة لمن يقودها، وهذا قول في غاية السخف والسقوط.

 

بطلان دعوى أن توافر الظروف لنشأة الكون أدى لنشأة الكون دون الحاجة لمسبب

القول بأن توافر الظروف لنشأة الكون أدَّى لنشأة الكون دون الحاجة لمسبِّب، والقول بأن توافر الظروف لنشأة الكون كافٍ لنشأة الكون، فلم يكن الكون بحاجة إلى إله يُشعل فتيلاً ما لخلقه - قولٌ في غاية السخف والسقوط، وهو كمن يقول: توافُر الظروف لحدوث الجريمة أدَّى لحدوث الجريمة، وعليه فليس للجريمة مرتكب!

 

لا تعارض بين وجود تفسير لنشأة الكون وبين وجود منشئ للكون

لا تعارض بين وجود تفسير لنشأة الكون وبين وجود منشئ للكون، كما لا تعارُض بين مخترع الشيء وآلية عمل الشيء، ووجود حدثٍ لا يَنفي وجود محدِث له، بل يؤكد على وجوده.

 

ولا تعارض بين وجود قوانينَ تتحكم في عمل الكون، وبين وجود خالق للكون؛ فالله يدير الكون من خلال قوانينَ قد سنَّها للكون، ولا يدير الكونَ بالمعجزات، وهذا لا يمنع من التدخل الإلهي المباشر في بعض الأحيان؛ فالله خالق القوانين، وإذا شاء أن تُعطَّل عطَّلَها.

 

والاعتقاد بوجود الله وأنه مسبِّب الأسباب وأنه خالق القوانين الفيزيائية، لا يَعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعية أو التمرُّدَ على شيء مِن حقائق العلم الصحيح، وإنَّما هو اعتقادٌ بأن الله هو المسبب لهذه الأسباب الطبيعيَّة، ومسبب لهذه القوانين الفيزيائية، وحتى لو سلَّمنا جدلاً أن العلم وصل إلى معرفة كل الأسباب الطبيعية وكل القوانين التي تدير الكون، فهذا لا ينفي وجود الخالق، بل هذه الأسباب الطبيعية وهذه القوانين دالَّة على موجدٍ لها؛ فكل سبب له مسبب، وكل قانون له مقنن، والله عز وجل مسبب هذه الأسباب الطبيعيَّة، وخالق هذه القوانين.

 

قانون الجاذبية وُلد بعد نشأة الكون فكيف يكون سببًا لنشأة الكون؟

مما ينبغي معرفته أن قانون الجاذبية وُلد بعد نشأة الكون؛ فبعد وقوع الانفجار العظيم، وانخفاض درجةِ حرارة الكون بشكل مُتوالٍ، وُلدت الجاذبية التي حالَت دون تبعثُر نواتج الانفجار العظيم، وعليه كيف تكون الجاذبية سببًا لنشأة الكون، وهي قد وُلدت بعد وجود الكون؟!!

 

هل الفيزياء الحديثة تنفي وجود خالق للكون؟

انتشر بينَ الملاحدة مقولةُ: الفيزياء الحديثة تنفي وجودَ خالق للكون، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على قلَّة علم هؤلاء الملاحدة، وضحالة مستواهم الثقافي؛ إذ وجود الله من القضايا الإيمانية الغيبية، والقضايا الإيمانية الغيبية لا تُدرَك بالتجارب ولا المختبرات، والعلم المادِّي لا يتدخل في القضايا الإيمانية الغيبية، والعلم الحديث كله لا يملك دليلاً صحيحًا واحدًا يستطيع أن يُثبت عدم وجود خالق للكون، بل الكون شاهد على وجوده سبحانه.

 

هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

مراجع المقال:

1- خرافة الإلحاد؛ د. عمرو شريف.

2- كيف بدأ الخلق؛ د. عمرو شريف.

3- العقيدة في الله؛ د. عمر سليمان الأشقر.

4- الشرك في القديم والحديث؛ الشيخ أبو بكر محمد زكريا.

5- كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة؛ الشيخ عبدالرحمن حسن حبنَّكة الميداني.